الصورة من استهداف مدينة الباب الأخير -إنترنيت
الصورة من استهداف مدينة الباب الأخير -إنترني

في مساء يوم الأربعاء، 15 تموز 2020، شنّت طائرات حربية مجهولة ثلاث غارات على أحياء سكنية وسط مدينة الباب أكبر معاقل منطقة عملية “درع الفرات”، أول عملية عسكرية لـ تركيا في سوريا والتي طردت مِن خلالها تنظيم “داعش” مِن ريفي حلب الشمالي والشرقي.

أدّت الغارات الثلاث التي استهدفت الحيين الشرقي والغربي قرب “السرايا” وجامعي الإيمان والفاروق وسط مدينة الباب، إلى إصابة عشرة مدنيين بينهم ثمانية أطفال، فضلاً عن دمار كبير في المنطقة، وسط ترجيحات الدفاع المدني والمراصد العسكرية بأن الغارات نفّذتها طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الروسي.

وجاءت الضربة الجوية على مدينة الباب بعد يومٍ واحد مِن انفجار سيارة مفخخة استهدفت عربة عسكرية روسية (ضمن دورية مشتركة مع القوات التركية) على الطريق الدولي حلب – اللاذقية (M4) قرب قرية مصيبين التابعة لمدينة أريحا جنوب إدلب، وأسفر الانفجار حينها عن إصابة ثلاثة جنود روس وإعطاب العربة.

وتبنّى التفجير حينها فصيل مجهول ظهر لأول مرة في محافظة إدلب يطلق على نفسه اسم “كتائب خطاب الشيشاني”، حيث نشر على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لموقع التفجير تحمل شعار الفصيل، وذلك بعد ساعات مِن اتهام روسيا لمِا أسمتهم “جماعات إرهابية” بالمسؤولية عن التفجير.

ورغم أن الدورية الروسيّة على طريق الـ M4 تعرّضت لهجمات متكرّرة منذ اتفاق الأتراك والروس، يوم 5 آذار 2020، على وقف إطلاق النار في منطقة إدلب وتسيير دوريات مشتركة على الطريق، إلّا أن العديد مِن المحللين السياسيين والعسكريين يرون أن الهجوم الأخير كان مفتعلاً – وربما الهجمات التي سبقته أيضاً -، خاصةً أن مَن تبنّى التفجير الأخير فصيل مجهول ظهر لأول مرة في المنطقة، ولأن التفجير يصب في مصلحة روسيا ونظام الأسد بالضغط على تركيا، وما يرجّح ذلك أنها اختارت مدينة الباب مجدّداً، ولم ترد في إدلب، التي تشهد أساساً خروقات مستمرة للاتفاق مِن قبل روسيا ونظام الأسد.

قد يكون فحوى الرسالة التي أرادت روسيا إيصالها لـ تركيا عبر ضرب مدينة الباب، بأن القوات التركية غير قادرة على ضمان سلامة الدوريات المشتركة على طريق الـ M4 في منطقة إدلب، أو ربما ينسحب الأمر إلى ملف آخر تتخبط فيه المصالح الروسية والتركية وهي الملف الليبي، حيث تسعى تركيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني (الحكومة المعترف بها دولياً) بشن عملية عسكرية للسيطرة على مدينة سرت الساحلية وقاعدة الجفرة.

ولكن بغض النظر عن فحوى الرسالة، لماذا اختارت روسيا مدينة الباب تحديداً لـ استهدافها وللمرة الثانية، حيث سبق أن استهدفتها، في اليوم الأول مِن شهر شباط 2020، وشنّت عليها خمس غارات أدّت إلى إصابة مدنيين وإحراق جامع “الشيخ دوشل” وتدمير عددٍ مِن المنازل، وكان هذا الاستهداف هو الأول منذ طرد تنظيم “داعش” مِن المدينة، مطلع العام 2017، وجاء بعد يومٍ واحد مِن إطلاق الفصائل عملية عسكرية تحت اسم “العزم المتوقّد” ضد قوات النظام في محاور تادف جنوبي الباب وأبو الزندين والدغلباش غرباً، إلّا أنها توقّفت بعد ساعات بأوامر تركية، ودون نتائج تذكر.

لماذا مدينة الباب؟

تعدّ مدينة الباب أكبر مدن “درع الفرات”، العملية العسكرية الأولى لـ تركيا التي أطلقتها ضد تنظيم “داعش” شمال وشرق حلب، وذلك بالاشتراك مع فصائل الجيش السوري الحر، التي اندمجت ضمن الجيش الوطني السوري فيما بعد، كما تعتبر المدينة معقل منطقة تركيا الآمنة التي سعت مِراراً لإقامتها في الشمال السوري وعلى طول حدودها مع سوريا، فضلاً عن وجود أكبر القواعد العسكرية التركيّة في جبل “الشيخ عقيل”، خاصرة مدينة الباب والتي يشرف عليها كلّها مِن الجهةِ الغربية. إضافة لأن مدينة الباب تعتبر التجمع السكّاني الأكبر في ريف حلب حيث يقطن المدينة -عدا عن سكّانها الأصليين- مئات الآلاف مِن النازحين والمهجّرين مِن مختلف المناطق السوريّة.

ولكن يبدو أن هناك أمر آخر يتعلّق باستهداف مدينة الباب تحديداً لغير الأسباب المذكورة أعلاه، خاصة أن أي مِن مناطق “درع الفرات” الواقعة ضمن النفوذ التركي تتعرض لـ غارات جوّية، ستشكّل صدمة في أوساط المعارضة، على اعتبار أن تلك المناطق تعتبر “آمنة” وبمنأى تام عن القصف الجوي والعمليات العسكرية، وإن حدثت بعض المناوشات مع قوات النظام على أطراف بلدة تادف في مدينة الباب، أو محاولات تسلل لـ قسد في مناطق أخرى بريف حلب، فلا أثر كبير لذلك.

لكن السبب الأقرب لاستهداف مدينة الباب، أو تقصّد استهدافها عبر افتعال بعض التفجيرات في أماكن تشعر فيها تركيا بالحرج، هو الطريق الدولي ذاته حلب – اللاذقية (M4) الذي تسيّر عليها تركيا وروسيا دوريات مشتركة على قسمه الممتد مِن مدينة سراقب شرق إدلب إلى منطقة جسر الشغور غرباً على تخوم الحدود الإدارية لمحافظة اللاذقية، ولم تصل الدوريات إلى تخوم منطقة الجسر إلا في الدورية رقم 19، مطلع شهر تموز الجاري، حيث كانت تقتصر على مسافات قصيرة بسبب اعتراضها مِن قبل الأهالي وتعرّضها لـ تفجيرات مِن قبل مجهولين.

الطريق الدولي ذاته (M4) ولكن هذه المرة مِن الجهة الشرقية لمحافظة حلب والذي يمتد إلى محافظة الحسكة وينتهي عند معبر اليعربية الحدودي مع العراق شمال شرق المحافظة، حيث يتقاسم السيطرة على هذا الطريق قوات “قسد” التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية، والقوات الروسية التي استدعتها “قسد” عقب العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، قبل أن تُعلن تركيا وقفها بعد اتفاق مع روسيا، يوم 22 تشرين الأول 2019، جاء بعد سيطرة الجيشين التركي والوطني السوري على مدينتي رأس العين في ريف الحسكة وتل أبيض في ريف الرقة وعشرات البلدات والقرى بينهما على الحدود السورية – التركية وعمقاً حتى طريق الـ M4.

ويشهد الطريق الدولي حلب –الحسكة (M4) دوريات روسيّة بشكل يومي تعترضها أحياناً القوات الأميركية، ولكن يمكن لروسيا أن تقّعل الطريق للحركة التجارية والعبور المدني أيضاً –بالاتفاق مع الأميركان -، في حال تمكّنت مِن الاستحواذ على قطعة طريق يبلغ طولها نحو “20 كليومتراً” تسيطر عليها فصائل الجيش الوطني ضمن مناطق مدينة الباب، وهي المساحة الممتدة بطول تسعة كيلومترات تقريباً مِن قرية “البويهج” جنوبي غربي بلدة العريمة التابعة لمدينة الباب وقرية “أبو الزندين” التابعة للباب أيضاً مِن الجهة الغربية.

وإن تمكّنت روسيا مِن السيطرة على قطعة الطريق هذه فإنها غالباً تستطيع تفعيل الطريق الدولي حلب –الحسكة (M4) والتحكم بقوافل تجارية تنطلق مِن محافظة درعا في الجنوب السوري (عبر الطريق الدولي حلب – دمشق M5، الذي باتت تسيطر عليه بشكل كامل تقريباً)، إلى معبر اليعربية في محافظة الحسكة شرقي البلاد، وبمسافة تقدّر بنحو 890 كم.

وربما ما يؤكّد ذلك، أن روسيا تولي اهتماماً كبيراً للطرق الدولية الممتدة على طول وعرض الأراضي السورية التي باتت تسيطر على مساحات واسعة منها، خاصة جنوبي ووسط سوريا، وأهم تلك الطرق وأبرزها طريق الـ M5 الذي يصل شمالي سوريا بجنوبها، وطريق الـ M4 الذي يصل شرقي سوريا بغربها، ويتجلّى هذا الاهتمام –حسب محللين سياسيين وعسكريين –بإقحام ملف الطرق في جميع الاتفاقات السياسية والمعارك العسكرية التي يخوضها الروس لصالح نظام الأسد.

أخيراً، مدينة الباب هي التي صرّحت حولها وزارة الدفاع الروسيّة، يوم 18 كانون الثاني 2017، بأنها شهدت أول عملية جوية مشتركة بين روسيا وتركيا ضد تنظيم “داعش”، حيث قالت حينها “إنّ سلاحي الجو الروسي والتركي نفذا لأول مرة عملية مشتركة ضد مسلحي تنظيم الدولة في مدينة الباب بريف حلب”، مضيفةً أن “العملية كانت فعّالة وجرت بموافقة نظام الأسد”، على حدِّ قولها.

سعد أبو حنين