الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية الصابون البلدي.. صناعة تندثر في إدلب

الصابون البلدي.. صناعة تندثر في إدلب

تجتمع عائلة الحاج أبو محمد حول قدر معدني كبير، لتتناوب على تحريك الزيوت الموجودة داخله والتي ستتحول بعد قليل لألواح من الصابون البلدي، الذي اعتاد أبو محمد صناعته في منزله بريف سلقين.
ويتطلب تحضير الصابون المنزلي جهداً جماعياً، وتختلف مقادير تحضيره تبعاً لكمية الزيوت المراد طبخها، إذ يعتمد أبو محمد على عبوة الزيت التي تزن نحو ستة عشر كيلو غراماً لتكون مكيالاً ثابتاً لطبخته.

وعن خطوات تحضير الصابون يقول “نضع خمسة ليترات من الماء ضمن القدر الذي نطبخ به وننتظر حتى تصبح المياه دافئة ثم نضيف لها اثنان كيلو ونصف من مادة الصودا (القطرونة)، ونبدأ بالتحريك لتذوب بشكل كامل ضمن الماء، ثم يقوم أحدنا بسكب الزيت ببطء فيما يقوم شخص آخر بتحريك تلك الزيوت مع الماء حتى إفراغها بشكل كامل”
يستمر تقليب المحتوى لمدة خمسة عشر دقيقة بواسطة ملعقة خشبية كبيرة، حتى يصبح الخليط لزجاً، ليتم بعدها إضافة زيت الغار وبعض الزيوت العطرية ونسب قليلة من زيت حبة البركة وجوز الهند وزيت بذور القطن.

تستمر عملية التقليب مدة ساعة حتى لا يحترق الجزء السفلي من الخليط الموجود في أسفل القدر، ويتبادل أبو محمد مع أولاده عملية التحريك لأن الخليط سيصبح سميكاً جداً ويصعب تحريكه لذا يضيف أبو محمد بعض المياه كل فترة لتمنح الخلطة بعض المرونة، وبعد مرور نحو خمسين دقيقة يصبح الخليط جاهزاً للصب حيث يقوم شخصان بحمل الحلة وإفراغها ضمن قالب خشبي بعد فرش أرضه بغطاء بلاستيكي أو أوراق المجلات لمنع التصاق الخليط بالأرض، وضغطه بواسطة أداة ثقيلة لتفريغه من فقاعات الهواء، ثم يعمل أبو محمد على تسوية سطح الخليط بشكل جيد ليكسب الصابون ملمساً ناعماً.
بعد مضي ساعة يبرد الخليط ويتم تقطيعه بواسطة سكين طويلة إلى مكعبات متناسقة، ويترك في مكانه نحو خمس ساعات لتجف بشكل كامل وتصبح جاهزة للاستعمال.

المنظفات الصناعية تسيطر على الأسواق

يقول العاملون في هذه المهنة إن الإقبال على صناعة الصابون بالطريقة التقليدية تراجع بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة بعد تنامي صناعة الصابون الذي يتم إنتاجه في المعامل. ويرجع أبو محمد الأسباب التي تكمن وراء تراجع تلك المهنة للمنافسة الكبيرة التي فرضتها المعامل الحديثة، إذ يلجأ غالبية الأهالي لاستعمال الشامبوهات والمنظفات السائلة والمعاجين التي تتم صناعتها بمزج مجموعة من المواد الكيميائية على البارد بدون الغلي على النار، والتي زاد عددها بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية ما أدى لتراجع صناعة الصابون التقليدي بنسبة 90%،
يقول أبو محمد إنه كان يطبخ خمس عبوات من الزيت بشكل يومي سابقاً، في حين يقوم الآن بطبخ تنكة كل يومين أو ثلاثة.

ويمتاز الصابون المنزلي بسعره الرخيص مقارنة بالأنواع الصناعية، لكن ذلك الانخفاض لم يساعده على المنافسة بالأسواق، لأن المنظفات الصناعية تمكن الزبون من شراء الكمية التي يحتاجها وفي الوقت الذي يريد، على عكس الصابون البلدي الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالتوصية على طبخة كاملة، إذ لا يتوافر في الأسواق ولا يباع بالقطعة أو الكيلو غرام ما يرتب على الأهالي مصاريف زائدة.

وعن تكلفة الطبخة كاملة يقول سليمان الخطيب (أحد العاملين في المهنة) إن سعر تنكة زيت البيرين المخصص لصناعة الصابون ستة عشر ألف ليرة سورية، في حين يستعمل البعض زيت الزيتون القديم ذو الأسيد، ويبلغ سعره نحو ألف وسبعمئة ليرة للكيلو الواحد، ويتم إضافة كميات من زيت الغار بقيمة عشرة آلاف ليرة إضافة لعلبة معطر بألف وخمسمئة ليرة سورية، إضافة لقيمة الصودا وأجور الصناعة إذ يتقاضى العاملون في المهنة نحو ثلاثة عشر ألف ليرة عن طبخ كل تنكة زيت، لتصل الكلفة الكاملة نحو 45 ألف ليرة للطبخة التي ستزن أكثر من عشرين كيلو غراماً، ويعتبر السعر قليلاً إذا ما قورن بصابون المعامل والذي يتراوح سعره بين ثلاثة إلى خمسة ألاف للكيلو الواحد.

تتنوع آراء الأهالي بين الصابون الذي يتم صناعته يدوياً وبين المنظفات الكيميائية الجديدة، إذ يفضل بعض من التقيناهم ومنهم مصطفى العباس الصابون المحلي عن صابون المعامل، لقلة المواد الكيماوية الداخلة في تحضيره، والتي تجنب فروة الرأس الحساسية والقشرة، كما يمنح البشرة نضارة ويقلّل من ظهور الحبوب والبثور والتجاعيد ويساهم في القضاء على البكتيريا لا سيما التي تسبب روائح كريهة للجسم.

بينما يلجأ آخرون للحصول على الصابون الصناعي والاعتماد على المنظفات الأخرى في استخدامهم اليومي، ودلك لتوافرها في الأسواق بالكميات التي يريدونها من جهة، ولاعتيادهم عليها من جهة أخرى، ناهيك عن روائحها العطرة وأنواعها المختلفة.
صنع صابون الغار لأول مرة قبل ما يقارب الألفي عام قبل الميلاد، ولا زالت هذه الصناعة تحافظ على طريقتها التقليديّة حتى يومنا هذا، مع بعض الإضافات البسيطة على تلك المهنة، ورغم عزوف عشرات العاملين بها عن صناعتها وإغلاق الكثير من المصابن إلا أن كثيراً من الناس ما زال يرغب باستعمالها، للابتعاد عن المواد الكيميائية الصناعية والتي يجهل المستهلك طبيعة المواد المستعملة في صناعتها.