أصدرت دائرة الرقابة الدوائية بمديرية الصحة في إدلب يوم الثلاثاء ٣٠/٦/٢٠٢٠ تعميماً يقضي بمنع تداول حليب (الربيع) للأطفال وسحبه فوراً من السوق، لعدم مطابقته للمواصفات الفنية والغذائية، تزن العبوة ٢٧٥ غرام ورقم التحضيرية “DR887” وتاريخ الإنتاج ١١/٢٠١٩ وتاريخ الانتهاء ٤/٢٠٢١، وكانت الرقابة الدوائية قد أصدرت تعميماً سابقاً في ٩/٦/٢٠٢٠ بمنع تداول حليب (كونان) وسحبه فورياً من كافة صيدليات وأسواق مدينة إدلب، وذلك بسبب انخفاض محتوى الدسم والبروتين فيه.

الحليب بالدولار والدخل بالليرة السورية

يخبرنا الصيدلاني عمر بكور عن أسعار الحليب المجفف وأنواعه المتوفرة في صيدليات إدلب، يقول “يوجد عدة أنواع متوفرة ولكافة الأعمار، ويتراوح سعر العبوة وزن ٤٠٠ غرام من (٣ -٥,٣٠ دولار) جميعها مستوردة عن طريق تركيا بعد توقف الاستيراد من مناطق النظام”.

ويتوافر في الصيدليات عدة أنواع من حليب الأطفال، منها “هيرو بيبي” وهو من صناعة تركية يبلغ سعره نحو 3 دولار، بينما تأتي باقي الأنواع عبر تركيا من دول أخرى كحليب موديلاك (٨٢٠ غراماً بسعر ٨,٣ دولار و٤٠٠ غراماً بسعر ٤,١٥ دولار)، كذلك حليب “سيليا وفرانس لي، وأونيلاك، رينولاك، تنلاك، ديالاك، هونيلاك”، وجميعها أصناف لم تكن تدخل السوق السورية في السابق، إذ تغيب عن الصيدليات الأنواع القديمة إلا بكميات قليلة كحليب “نان وبيبلاك”.

وتلعب عدة عوامل بتعذر الرضاعة الطبيعية وفقدان حليب الأم، منها العوامل النفسية والأمراض العضوية والحمل بعد الولادة، وهو ما يضطر الأهالي للاعتماد على الحليب الصناعي لتغذية أطفالهم، ويحتاج الطفل لعلبة حليب كل ثلاثة أيام، ما يعني أن كلفة إرضاع الطفل الواحد قد تصل، بحسب نوع الحليب، بين (٣٠ -٧٠ دولاراً) شهرياً، وهو ما لا تستطيع معظم العائلات تأمينه، إذ يبلغ متوسط دخل العائلة في الشمال السوري نحو ٤٠ دولاراً في الشهر،

ولذلك تعتمد الأمهات على بعض المواد الإضافية لتغذية أطفالهن، كالنشاء والأرز المطحون، بينما تلجأ عائلات أخرى لاستخدام حليب الأبقار أو حليب “الفرط” المتواجد في الأسواق دون اسم أو موعد انتهاء صلاحية ويباع الكيلو غرام منه بنحو (٠,٤٠ دولاراً)، رغم ما تسببه هذه البدائل من آثار جانبية على صحة الطفل ونموه.

ويشتكي عدد كبير من الأطفال من سوء التغذية، بحسب الطبيب أحمد دعبول الذي يرجع ذلك لعدم قدرة الأهالي على تأمين الأنواع الغذائية الجيدة من الحليب للأطفال.

 

حليب مخالف للمواصفات أو منتهي الصلاحية

يوصف حليب الأطفال بحسب عمر الطفل، ويتمايز بما يحتويه من مكملات ودسم وفيتامينات، وغالباً ما تستغني معظم العائلات عن الرقم ٣ والذي يوصف للأطفال بعد عمر السنة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية، ويستعاض عنه ببعض الأطعمة والشوربات.

ويقول البكور إن الحليب غير المطابق للمواصفات الغذائية لا يقدم الفائدة اللازمة للطفل لافتقاده لعناصر النمو الأساسية من دسم وبروتينات، كذلك تتسبب الزيادة في هذه النسب بتسمم للأطفال والتهاب في أمعائهم، كذلك الحليب منتهي الصلاحية، خاصة إن طالت المدة عن أشهر، ويزيد عن النوع الأول بتعرض الطفل لإسهال شديد.

وتقوم الرقابة الدوائية بمديرية الصحة في إدلب بفحص نوع الحليب وجودته عند وصوله إلى معبر باب الهوى الحدودي، وفي حال مطابقته للمواصفات يوزع على الصيدليات، أما إن كان غير مطابق للمواصفات الفنية يسحب من السوق ويتلف لمخالفته المعايير الفنية.

يقول مدير الرقابة الدوائية في إدلب الدكتور مصطفى السيد الدغيم “بعد إجراء الفحوصات والتحاليل على حليب كونان والربيع تبين مخالفتهما للمواصفات الفنية والغذائية، مرجحاً دخولهما عبر طرق التهريب”، وهو ما دفع الرقابة الدوائية لإصدار تعميم بمنع بيعهما، إذ تتخذ عقوبات بحق المستودعات والصيدليات المخالفة حسب القوانين الناظمة، وتقوم مديرية الصحة بمسح السوق وسحب عينات كإجراء رقابي على المنتجات خوفاً من وصول أصناف مهربة غير خاضعة للرقابة وبمجرد التعميم بالمخالفة لا يبيعها الصيدلاني.

وعن جولات الرقابة يقول الدغيم “جولاتنا متكررة لمراقبة وضع الدواء والحليب والأسعار ودوام الصيادلة، ويعاقب المخالف وفق قوانين الصحة المتدرجة من التنبيه إلى الإنذار وتشميع الصيدلية أو المستودع ثم إلغاء الترخيص، وتكون الجولات دورية بفواصل زمنية بسبب العدد الكبير للصيدليات التي بلغ عددها نحو ٥٠٠ صيدلية مرخصة، إضافة لنحو ٣٠ مستودع للأدوية.

وتضم الرقابة الدوائية ثلاثة مخابر (مخبر الفحص الفيزيائي، ومخبر الفحص الكيميائي، ومخبر الفحص الجرثومي) مهمتها فحص العينات من الأدوية وحليب الأطفال قبل طرحها في السوق.

ويلجأ الأهل لإرضاع الطفل حليباً صناعياً بعد تعذر الرضاعة الطبيعية، أو في حال عدم الشبع، ويجب أن يحتوي الحليب الصناعي على الكربوهيدرات واللاكتوز والبروتينات بنسب معينة، لتعويض حليب الأم، إلا أن الرضاعة الطبيعية تبقى الأفضل للطفل كونها تساعد على تحسين أداء الجهاز الهضمي للطفل الرضيع، لاحتوائه على الأنسولين والكورتيزون بالإضافة إلى الأحماض الأمنية التي تطور الجهاز الهضمي وتحد من التهابات الجهاز الهضمي وتقلل من حالات الإمساك والإسهال والاضطرابات المختلفة، بحسب الطبيب أحمد دعبول.

مساهمات خجولة من المنظمات والفرق التطوعية

تعمل بعض المنظمات الإنسانية على تأمين بعض أنواع حليب الأطفال، ضمن قدرتها، إلا أن أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى مساعدة يفوق ما يقدم بمئات المرات، وتقول “جالة سعيد” مسؤولة ملف المعتقلات المحررات من سجون النظام بمنظمة زيزفون بمدينة أريحا إنهم استطاعوا تقديم حليب موديلاك وسيريلاك لعشرة أطفال من أبناء المعتقلات، لمدة أربعة أشهر، إلا أن مشروعهم قد توقف بسبب جائحة كورونا، وسيعاد تفعيل مركزهم بعد عيد الأضحى ضمن مخطط جديد.

كذلك وزعت حملة “أهلنا في سوريا.. نحن معكم” الحليب لعدد من الأطفال في إدلب وريفها وفي المخيمات، يقول (تيسير فارس) ناشط ضمن الحملة إنهم قاموا بعدة حملات استهدفت كل منها نحو مئتي طفل، وذلك بمبادرة شخصية من أعضاء الفريق المؤلف من ناشطين.

استمرت هذه الحملات من شهر شباط وحتى نيسان الماضي، لتتوقف أيضاً بسبب الحظر الصحي الذي فرضه وباء كورونا، والذي أدى لتوقف النشاط في بلدان العالم التي يتواجد فيها أعضاء الفريق.

ويضيف الفارس إن الفريق ينتظر المسح الجديد للأطفال الذين يحتاجون لمساعدتهم بالحليب، وسيتم التوزيع للأشد حاجة، ضمن الإمكانيات المتاحة.

وقال مروان حسينو مدير فريق “وبشر الصابرين في إدلب” إن الفريق استطاع تقديم الحليب لنحو ستين طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، خلال الشهر الأول والثاني من العام الحالي، إلا أنهم توقفوا لاعتمادهم على التبرعات، ريثما تتوافر المبالغ اللازمة لذلك.

كذلك تحدث بعض من التقيناهم عن قيام بعض الأشخاص بتوزيع بعض علب الحليب للأطفال في المخيمات، إلا أن هذه الحلول تبقى قاصرة لعدم تلبيتها حاجة الأطفال كافة، كذلك انقطاعها بين شهر وآخر، تخبرنا السيدة زينب والتي تسكن في مخيم الأزرق بمدينة الباب شرق حلب، إن طفلها دائم البكاء لعدم قدرتها على تغذيته بالأنواع والكميات المناسبة من الحليب، تقول إنها تطعمه بعض قطع البطاطا المسلوقة والشوربة والأرز المطحون، إلا أن صحته لا تتحسن.

ترضع زينب طفلها رضاعة طبيعية، إلا أنها تشعر بجوع طفلها دائماً، تقول إن الأم تحتاج أيضاً للغذاء الجيد والمتكامل لتتمكن من إرضاع طفلها، وهو ما لا يتوفر في ظل الأوضاع الحالية، إذ تعتمد معظم العائلات على وجبات البرغل والعدس وبعض الخضار في طعامهن، إن توفرت، وهو ما يوثر على إدرار الحليب وجودته.

يستنزف تأمين الحليب لطفل واحد معظم دخل العائلة السورية، إضافة للمصاريف الأخرى كـ “الحفاضات” والأدوية والمتممات الغذائية، في الوقت الذي يعيش فيه نصف سكان الشمال السوري داخل المخيمات، وتنتشر البطالة وانعدام فرص العمل، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، إضافة لمشاكل في الصحة والنمو، مع توقعات بتزايد هذه الأعداد مع انهيار الليرة السورية وتراجع عمل المنظمات الإنسانية.