يتنقل الشاب عبد الرحمن العمر (عامل حفريات) بين محلات الصرافة القريبة من المخيم الذي يقطن به في منطقة باريشا للحصول على أنسب سعر يمكنه من تحويل أجرته التي يتقاضاها بالليرة السورية إلى عملة تركية.
يقول العمر إنه مجبر على هذه الخطوة فقد تم تسعير غالبية المواد الرئيسية بالعملة التركية، ما يضطره لدفع تكاليف إضافية إذا أراد الدفع بالليرة السورية، لأن التاجر سيترك هامشاً كبيراً في حسابه لسعر الليرة السورية مقارنةً بالتركي لضمان مرابحه، ولشرح هذه الآلية يضرب العمر مثالاً فيقول: سعر كيس الخبز ليرتان تركيتان، لكن في حال قررت الدفع بالعملة السورية ينبغي علي دفع ألف ليرة سورية، علماً أن سعر الليرة التركية اليوم يساوي ثلاثمئة وستين ليرةً سورية.
مضى نحو عشرين يوماً على استبدال العملة السورية بعملة تركية في إدلب، ولمعرفة انعكاسات هذا القرار على المدنيين قمنا برصد آرائهم، إذ انتقدت شريحة واسعة ممن التقيناهم هذا القرار، واعتبروه يخدم أجندة صغيرة ومساحة ضيقة من المستفيدين والتجار، في حين كان الخاسر الوحيد هو الشعب وخاصة بعد القرارات التي تبعت قرار التداول بالعملة التركية وعلى رأسها تحديد الأسعار بالليرة التركية.

يقول محمد دندوش (نازح من بلدة كفرنبل) الشعب ليس في حاجة لتبديل العملة “هو في الأصل لم يعد يملك ثمن الخبز ليأكل حتى يسعى للادخار”، عندما يتم إصدار مثل هذا القرار ينبغي أن تسبقه مجموعة من الخطوات التي تهتم بتأمين فرص العمل لآلاف الشباب، كما ينبغي إجبار التجار وأصحاب المعامل والمصالح اليومية على رفع أجورهم بما يتلاءم مع ارتفاع الأسعار.
وكان المركز السوري لبحوث السياسة قد أصدر دراسة بعنوان “سوريا العدالة لتجاوز النزاع” قال فيها إن٨٦٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، منهم ٣٧٪ تحت خط “الفقر المدقع”.

كذلك، انتقد عبد القادر سليمان (مدرس متقاعد) هذا القرار، واعتبره يستهدف الأهالي ولن يكون له أي تبعات سلبية على نظام الأسد، يقول “يوجد شريحة واسعة من الموظفين المتقاعدين في مناطق المعارضة، ولا تتعدى رواتب هذه الفئة خمسين ألف ليرة سورية، ولم يراعي القرار أحوال هذه الفئة من الناس، فلو افترضنا أنني قمت بتصريف راتبي والذي قدره أربعة وأربعين ألف ليرة سورية إلى الليرة التركية فسوف أحصل على مئة وعشرين ليرة تركية، والتي تساوي سعر اسطوانتي غاز، بعد قرار تحديد الأسعار الحالي، ناهيك عن خسارة فرق التصريف”.

في الوقت ذاته أبدى أصحاب الحرف والعمال والمزارعين واللذين يعتبرون الشريحة الأكبر في مناطق إدلب استياءهم من هذا القرار مبررين موقفهم بأن جميع مواردهم وتعاملاتهم يتم تداولها بالليرة السورية.

ويقول عبد الرزاق فتوح “مزارع” لا يمكننا كمزارعين اعتماد الليرة التركية في مداولاتنا التجارية، فجميع التجار الذين نقوم ببيعهم محاصيلنا يرفضون شراءها بالليرة التركية، لأنهم يعملون على تهريب تلك المنتجات إلى مناطق النظام وبالتالي سيتقاضون ثمنها بالليرة السورية، حيث نضطر للبيع بالليرة السورية ثم نقوم بتحويلها للتركية ما يعرضنا لخسارة فرق التصريف”.

تعليقات وردود أفعال كثيرة توالت عقب إصدار قرار التعامل بالليرة التركية، وعلت بعض أصوات المؤيدين له، بذريعة أن هذه الخطوة قد تشكل ضغطاً على نظام الأسد الذي يعاني من أزمة اقتصادية وحصار.

يقول غيث الشيخ أحد الصرافين في مدينة سلقين “انعكس تدهور الليرة السورية سلباً على محلات الصرافة، إذ تعرض كثير من أصحابها لخسارات متتالية”، في حين يرى الشيخ أن تصريف الدولار للتركي أفضل بالنسبة للعاملين في سوق الأوراق المالية، لأن سعر صرف الليرة التركية أكثر ثباتاً، ومرابح تحويلها مضمونة على خلاف الليرة السورية التي يلعب عامل الحظ دوراً كبيراً فيها.
كما يرى الشيخ بأن هذه الخطوة ستشكل ضغطاً على نظام الأسد لأنها ستحرمه من أحد أهم مصادر القطع الأجنبي التي كان يعتمد عليها عن طريق مبادلتها بالعملة السورية.
قام تاجر المنظفات أحمد الحلاق بتسعير كافة أنواع البضائع الموجودة في المحل بالليرة التركية، وتم اعتماد الليرة التركية كوحدة نقد وحيدة في عملية البيع والشراء، يقول الحلاق إن خساراته المتوالية في الفترة التي تدهور فيها سعر صرف الليرة السورية دفعته لاتخاذ هذه الخطوة كون غالبية البضائع يتم استيرادها من تركيا”.
وعن الأسباب التي دفعت لاتخاذ هذا القرار يقول الدكتور عبد الحكيم المصري وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة:
“إن الأسباب وراء استبدال العملة تكمن في انعكاس أزمات النظام على مناطق المعارضة، ما أدى  لارتفاع الأسعار بشكل جنوني نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها الشرائية بشكل كبير، حيث جاءت تلك الخطوة بالتزامن مع بدء سريان قانون قيصر والذي ينبئ بانهيارات جديدة لليرة السورية”.

ويضيف المصري “إن القرار كان قيد الدراسة منذ عام 2015، لكنه تعرض لعراقيل حالت دون تطبيقه حتى الآن، نتيجة الانهيارات المتتالية في سعر صرف الليرة والأزمات الكبيرة التي تشهدها مناطق النظام والتي انعكست سلباً على الأسواق المحلية في الشمال السوري، حيث أقدم عدد من التجار على إغلاق محالهم التجارية بالإضافة لعدد من الأفران بسبب الخسائر المتلاحقة، ومن هنا جاء القرار بالعمل على تداول العملة التركية”.

ويتابع “صدر عدد من القرارات مؤخراً بتحديد أسعار المحروقات ومادة الخبز، إضافة لعدد من السلع والمواد الغذائية والتموينية وأجور العمال بالليرة التركية، بعد التنسيق مع الجانب التركي لإدخال القطع النقدية التركية من الفئات الصغيرة إلى مناطق المعارضة “.
الجدوى الاقتصادية من استبدال العملة

تفاوتت آراء الخبراء الاقتصاديين بجدوى القرار ما بين مؤيد ومعارض. ويقول الباحث الاقتصادي أحمد السطيف “تم اختيار الليرة التركية لأن تركيا هي الشريك التجاري الأكبر مع مناطق المعارضة، وأن من السهل تأمين الفئات النقدية عبرها، لاسيما الصغيرة منها، لتسهيل تعامل المواطنين فيما يتعلق بحركة البيع والشراء، ولكنها تحتاج مزيداً من الوقت حتى يتم تثبيت التعامل بها ريثما يتم سحب العملة السورية من مناطق المعارضة، وتثبيت أسعار السلع وأجور العمال بالليرة التركية”.

ويرى “السطيف” أن تلك الخطوة جاءت في طريق الصواب للحفاظ على أموال الشعب السوري من الضياع نتيجة انهيار الليرة السورية، فضلاً عن كونه إجراء يحارب النظام اقتصادياً، وذلك كونه يؤدي إلى إيقاف تدفق القطع النقدية الأجنبية إليه عبر التجار الموجودين في مناطق المعارضة، والتي قدرها شهرياً بـ 75 مليون ليرة تركية ونحو ستين مليون دولار، وباستبدال العملة سيتم حرمان النظام من جزء كبير من هذه الأموال. كما أن القرار قد يخلق جواً من الاستقرار الاقتصادي في أسعار السلع والمواد في الأسواق.

بدوره اعتبر “عبد المحسن السيد” أحد الخبراء الاقتصاديين المعارضين للقرار بأن القرار يخدم أجندة خارجية، بالإضافة لمساحة ضيقة من التجار والمتحكمين بسعر الصرف، الذين يعملون على توزيع الليرة التركية في مناطق المعارضة، وتفردوا بالسيطرة على سوق الأوراق المالية، حيث يتحكم أولئك التجار بتصريف الليرة التركية بفارق كبير عن سعر التصريف في السوق العالمي دون منافس.

وأضاف “إن قرار استبدال العملة إلى الليرة التركية يجب أن يسبقه عدة قرارات في مقدمتها تحديد الحد الأدنى من الأجور بالليرة التركية، كما يتطلب فتح تركيا لمعابرها مع الشمال السوري وفتح مجال الحركة التجارية مع الأهالي في الشمال السوري لتصريف منتجاتهم وإدخال المنتجات التركية ليتمكن الأهالي من الاستغناء عن تعاملاتهم مع النظام”.

وقال إن مشكلة الأهالي لا تكمن باستبدال العملة أو بقائها إنما في كيفية الحصول عليها في ظل انتشار البطالة واستشراء حالة الفقر في الشمال السوري، فغالبية الشعب بات نازحاً في المخيمات.

تلك الاعتراضات ردت عليها الحكومة المؤقتة على لسان وزير الاقتصاد “بأن موضوع البطالة فوق قدرة أي حكومة ومن الصعب حله، إلا أنه يمكن الحد من الفقر عن طريق تشجيع المنظمات على توزيع السلل الغذائية وتقديم الخدمات الطبية المجانية.
في حين طلب وزير الاقتصاد من السوريين المغتربين في الخارج مساعدة أقاربهم بالشمال السوري عبر تأمين مشاريع صغيرة من الممكن أن تؤمن فرص عمل لهم ريثما يتم تحقيق الاستقرار.
توفر العملة التركية لم يحل المشكلة بعد
ورغم رفض شريحة واسعة من الناس لقرار استبدال العملة إلا أن عملية تداولها تنامت بشكل كبير على حساب الليرة السورية، من قبل الأهالي والمحلات التجارية، ورغم توفر العملة التركية في الأسواق إلا أن الأهالي يشتكون من الفارق الكبير في تصريف الليرة التركية مقابل الدولار بالرغم من ثباتهما عالمياً، إلا أن أصحاب محلات الصرافة يرجعون فارق التصريف الكبير للبنوك الرئيسية المتحكمة في السوق والتي يتم شراء العملة التركية منها.

يقول غيث الشيخ “يوجد مراكز معتمدة تسمى بنوك أو مؤسسات تابعة لهيئة تحرير الشام يتم من خلالها توزيع العملة التركية مقابل الدولار أو الليرة السورية، حيث يتوفر في تلك البنوك جميع الفئات النقدية بما فيها “الفراطة”، ولكن عند طلبها مقابل الدولار يتم إلزام الصرافين بقطع نقدية من فئة ال٢٠٠- ١٠٠ ليرة تركية ولكن بأسعار مجحفة بحق المواطنين ومحلات الصرافة الأمر الذي يشتكي منه غالبية الأهالي والصرافين في الشمال السوري، حيث أن قيمة الليرة التركية مقابل الدولار عالميا ٦.٨٥ ولكن يتم توزيعها في البنوك ٦.٦٥ ما يضطرنا إلى بيعها بأقل من خمس نقاط وهذا ينعكس سلباً على المواطن من غلاء في الليرة التركية”.

يرى غالبية من التقيناهم إن مشكلة السكان الرئيسية تكمن في تدني أجور العاملين مقارنة بسعر الدولار، وهذه المشكلة لا يمكن حلها باستبدال العملة، بل يكون الحل بالضغط على أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، لرفع أجور عمالهم ما ينعكس على حياتهم بشكل مباشر، وخلق فرص عمل جديدة، ومراقبة الأسواق لمنع الاحتكار وزيادة الأسعار.