ينتظر خالد الحميد وزوجته قدوم مولودهما الأول بقلق، بعد رحلة علاج وصفاها بـ “الطويلة والمكلفة” والتي استمرت نحو خمس سنوات، من “الالتهابات المعندة” التي رافقت الزوجين وأدت إلى تأخر الحمل. يخبرنا الحميد إنه تأخر في الذهاب إلى عيادة الطبيب وهو ما فاقم المشكلة، ففي كل مرة كانت تشفى زوجته من هذا الالتهاب، كانت تتعرض لانتكاسة أخرى بسبب هذا التأخر.
ويتعرض الرجل والمرأة للالتهاب الفطرية والجرثومية، إلا أن نسبتها ترتفع عند النساء، وفي السنتين الأخيرتين تشهد العيادات النسائية في إدلب ازدحاماً كبيراً نتيجة زيادة عدد النساء المصابات بالالتهابات النسائية، تقدر الطبيبة النسائية (مرام القاضي) هذه الزيادة بأربعة أضعاف ما كانت عليه، بحسب ملاحظتها الشخصية، وتقول إن عدة أسباب ساعدت في هذا الارتفاع، أهمها: صعوبة الالتزام بالنظافة الشخصية، كصعوبة الوصول إلى مياه نقية وارتفاع أسعار الغسولات النسائية، كذلك أنواع الألبسة التي تستخدمها النساء، نظراً لارتفاع أسعار الألبسة الداخلية القطنية، ورداءة الأنواع الموجودة منها، إضافة لاعتماد النساء على “الفوط” غير العقيمة وغير المراقبة صحياً، والمنتشرة حالياً في المحلات والصيدليات.

ارتفاع الأسعار وغياب المرافق الصحية والمياه النقية، بحسب الطبيبة، يزيد من احتمالية انتشار الأمراض النسائية، وهو ما يمكن إسقاطه على حياة معظم السكان في مناطق المعارضة، والتي يعيش فيها نحو أربعة ملايين شخص، ٨٦٪ منهم تحت خط الفقر، نصف هذا العدد يعيش في المخيمات، ويقدر عددهم بنحو مليوني شخص، بحسب محمد حلاج (مدير فريق منسقو الاستجابة).

لا يمتلك معظم السكان في إدلب الحد العالمي الأدنى من المياه اللازمة والتي قدرتها الأمم المتحدة بـ (٥٠ -١٠٠) لتر يومياً، وبكلفة لا تزيد عن ٣٪ من مجمل الدخل الأسري، ويعمد السكان إلى تقنين استخدام المياه الخاصة بالعناية الشخصية، والاعتماد على مياه الآبار السطحية ومياه الصهاريج، وهي مياه غير مراقبة وتحتوي على نسب عالية من الشوائب، كما أوردت عدة تقارير صحفية، إضافة لواقع المخيمات، إذ تشترك عشرات العائلات بحمامات عامة واحدة، ومناهل مياه لا تكفيهم “للشرب”، بحسب من تحدثنا معهم، (يصل متوسط سعر برميل المياه -٢٠٠ لتر-  لنحو ألف ليرة سورية ويعني ٧٥٠٠ ليرة شهرياً كلفة الحد الأدنى من المياه للفرد الواحد)،  كذلك الأمر بالنسبة للمنظفات والتي ترتفع أسعار الجيدة منها إلى مبالغ “باهظة” لا يستطيع السكان تحمل أكلافها، إذ تصل أسعار دواء الغسيل من النوع الجيد إلى خمسة آلاف ليرة، والفوط الصحية إلى ألف ليرة من النوعيات المتوسطة، والألبسة الداخلية القطنية من النوع الجيد لنحو خمسة ألاف ليرة للبدل الواحد، والغسول النسائي لنحو ألفي ليرة، ما دفع السكان للاعتماد على أنواع رديئة الجودة تركت آثارها على الصحة العامة، وساهمت في انتشار الأمراض النسائية، بحسب من تحدثنا معهم من نساء وطبيبات، ويكفي أن نعرف أن متوسط دخل العائلة في إدلب لا يتجاوز مئة ألف ليرة سورية، وتزيد نسبة البطالة عن ٥٠٪، في حين يعتمد معظم سكان المخيمات في تأمين المياه وسلل النظافة على المنظمات الإنسانية، والتي تراجع عملها خلال السنتين الأخيرتين بنسبة كبير

لا تقتصر أسباب تزايد هذا النوع من المرض على ظروف النظافة الشخصية فقط، بل قد يتسبب الزوج في نقل عدة أنواع من الالتهابات لزوجته، ناهيك عن موضوع تعدد الزوجات دون مراعاة ضوابط الوقاية الصحية، مع ضعف فعالية بعض الأدوية المستعملة في هذه الأمراض، بحسب الطبيبة مرام.

وتحذر الطبيبة إكرام حبوش “مديرة مشفى الأمومة التخصصي في إدلب” من آثار الالتهابات النسائية، إذ تشكل تلك الالتهابات مانعاً قوياً للحمل، في حين قد تشكل خطراً على حياة الجنين بالنسبة للمرأة الحامل أو تهدد بولادة مبكرة قد تؤثر على حياة المولود. وهو ما يقلق خالد الحميد وزوجته اللذين فقدا جنيناً سابقاً بسبب هذه الالتهابات.
وأضافت الحبوش أن بعض الالتهابات أصبحت “معندة” بسبب الاستخدام الخاطئ للصادات الحيوية، لذلك ومن الضروري في حال وجود التهاب مراجعة الطبيب، والالتزام بتعاليمه، لأن الاستخدام العشوائي للصادات يخلق مقاومة كبيرة للمرض ما يؤدي إلى طول مدة العلاج وصعوبة الشفاء.

تنصح من التقيناهن من طبيبات النسائية، بالاهتمام بالنظافة الشخصية، والتوعية الكاملة بما يخص هذه الأمراض، واستعمال علاج مطول حسب وصفة الطبيب، وعدم قطع العلاج دون انتهاء الوصفة، والتأكد من انتهاء العلاج، بالإضافة لعلاج الزوجين معاً، وعلاج الزوجات معاً في حال تعدد الزوجات.

وتُصيب الالتهابات النسائية المسالك البوليّة والمهبل، وتكون تلك الالتهابات ناتجة عن الإصابة بالفطريات أو البكتيريا، كما تصيب التهابات المسالك البولية عند الرجال، لكن النساء أكثر عرضةً للإصابة من الرجال، ولهذه الالتهابات تأثيرها على الصحة العامة للجسم، وتقتل الحيوانات المنوية قبل وصولها للرحم لإتمام عملية اللقاح ما يمنع حدوث الحمل، كما أنها تعيق إكمال العلاقة الزوجيّة بشكل طبيعي.

وأهم أعراض الالتهابات النسائية: الشعور بالألم في منطقة الحوض أو أسفل البطن، والظهر، والجانبين، والشعور بالألم والحرقة عند التبول، وملاحظة كميات قليلة من الدم بالبول، بالإضافة للشعور بالحاجة للتبول بشكل مستمر، مع ارتفاعات في درجة الحرارة عن المعدل الطبيعي.كذلك الحكة الشديدة في مرض الالتهابات الفطرية، والذي تصفه دراسة لجامعة مانشستر البريطانية بما يشبه “التعذيب” للمرأة ما لم يتم علاجها، وإن له تأثير هائل على جودة حياة ملايين من النساء في العالم، وتؤكد الدراسة أن الأعراض المرافقة لهذا الالتهاب تجعل المرأة عصبية وبائسة وتفقدها الثقة بالنفس.

وينصح المختصون بعدة إجراءات تسهم في الوقاية من تلك الأمراض، عبر العناية بالنظافة الشخصية، وتبديل الملابس الداخلية مرتين يومياً، وارتداء الملابس الداخلية القطنيّة، واستخدام المعقمات بشكل دائم، إضافة لتنشيف المهبل بعد الذهاب لدورات المياه، لأنّ الالتهابات تحدث عادة في المناطق الرطبة وتنشط الجراثيم فيها، كما ينصح بشرب كميات وفيرة من الماء.