مركز انطلاق مدينة الباب
مركز انطلاق مدينة الباب

يواصل المجلس المحلي في مدينة الباب – شرق حلب – فرض المزيد مِن الضرائب والرسوم التي أثقلت كاهل المواطنين الذين يعيشون أساساً ظروفاً مادية صعبة زاد مِن مأساتها التدهور المستمر لليرة السورية.

يوم الأربعاء الفائت (17 حزيران الجاري)، فرض المجلس المحلي مبلغ 50 ليرة تركية (أي ما يعادل 20 ألف ليرة سورية) سنوياً، دون أن يكون هناك أي قرار رسمي فيها، فضلاً عن عدم تسميتها أصولاً إن كانت ضريبة أم رسوماً، مكتفياً بإبلاغ السائقين بها عن طريق أحد المسؤولين على كراج المدينة، ما يوحي بأنها أقرب لـ “الإتاوة” منها للضريبة، ما أثار استياء السائقين وهدّدوا بالإضراب عن العمل.

أحد سائقي سيارات النقل الداخلي (سرافيس) في مدينة الباب يقول لـ فوكس حلب: إن الملازم أول أحمد عثمان (الملقّب بـ الفستقة) -وهو المسؤول عن الكراج- أبلغ السائقين بضرورة دفع مبلغ 50 ليرة تركي دفعةً واحدة، وإن اليوم السبت (20 حزيران) آخر موعد لـ دفعها وإلا سيحجز السيارة التي لم تدفع.

ويضيف السائق “أبو علاء” – مِن نازحي مدينة دير الزور – أن “الشرطة حجزت أساساً بعض السيارات التي رفضت دفع المبلغ ومنعتها مِن العمل”، مشيراً إلى أن سيارات النقل الخارجي -التي تنظّم رحلات سفر خارج مدينة الباب إلى مدن ريف حلب ومحافظة إدلب- تنافسهم أيضاً بالعمل داخل المدينة، ما يحول دون جنيهم المال الكافي لـ دفع ما يُفرض عليهم مِن ضرائب “ما أنزل الله بها مِن سلطان”.

وتلك السيارات المٌستثناة مِن دفع الـ 50 ليرة تركيّة -لدى بعض سائقيها- وفق أبو علاء- ورقة عدم تعرّض مِن بعض قادة الشرطة، وأن سائقي النقل الداخلي حاولوا حث تلك السيارات على الالتزام برحلاتها الخارجية فقط، ولكن دون جدوى، وبناء على ذلك لا يجني -وغيره مِن سائقي النقل الداخلي- أكثر مِن ألفي ليرة سوريّة في اليوم، علماً أنه يدفع نحو 400 ليرة تركية شهرياً بين آجار منزل وفواتير مياه وكهرباء.

والسائق “أبو محمود” – مِن أبناء مدينة الباب – يعترض قائلاً “طالما أننا لوّحنا (تنمير وترقيم) سياراتنا بـ 200 ليرة تركية، وندفع معاينة سنوية 100 ليرة تركية، والسيارات مسجّلة في مديرية المواصلات التابعة للمجلس المحلي، ما الذي يريده (ابن عثمان) مِن مبلغ الخمسين ليرة تركية، هل ما يريده السلب والسرقة علناً؟”.

يذكر أن الملازم أول في شرطة مدينة الباب “أحمد عثمان” هو ذاته الذي انتشر له مقطع فيديو يُظهره مع مرافقيه وهم يُعذّبون ويضربون طفلين متهمين بسرقة دراجة نارية، ما أثار صدمةً كبيرة واستياء واسعاً في المدينة وعموم المناطق المحرّرة، لـ يبرّر فعله لاحقاً بأنه كان يحاول “ترهيب الأطفال وتخويفهم فقط”!

وفي كراج مدينة الباب يوجد أكثر مِن 100 سيارة نقل داخلي (سرفيس) -مسجّلة ومرخّصة- تعمل على خط داخل المدينة بأجر 300 ليرة سورية للراكب الواحد، وغالباً يُتاح للسيارة الواحدة ما بين نقلتين إلى ثلاث نقلات في اليوم، متوسط النقلة الواحدة -بزمن ساعة وأكثر- بين الستة والعشرة ركّاب (أي ما بين 1800 و3000 ليرة سورية)، وبناء على ذلك يقول أحد السائقين “لـ يخرج معنا شرطي في إحدى السيارات طوال اليوم، ويقبض الغلّة بيده، وعند انتهاء العمل يعبّي مازوت للسيارة، وينظر للباقي إن كان يؤمّن الخبز والطعام لـ يوم واحد فقط”.

كذلك عبّر سائق آخر عن استيائه بالقول “إن البلد أساساً لهم -يقصد القائمون على إدارة المدينة مِن مجلس محلي وشرطة وفصائل- يفرضون ما يشاؤون ويمنعون ما يشاؤون وما علينا إلا السمع والطاعة، فإما أن ندفع مكرهين أو نبقى بدون عمل أبداً ونركن سياراتنا أمام منازلنا، وغالباً هذا ما سنفعله لأننا أساساً لا نستطيع تأمين قوت يومنا مِن الخبز فأين الفائض لـ دفع ما يٌفرض علينا ظلماً”.

والسائق “أبو ابراهيم” -مِن مهجّري الغوطة الشرقية – اقترح مِن أجل الالتزام بدفع الـ 50 ليرة تركية، المبلغ الذين ينظرون إليه على أنه إتاوة وليست ضريبة، أن يعمل المجلس المحلي على إصلاح الطرقات والشوارع وتزفيتها التي تضر بالسيارات يومياً وتجعل السائقين يدفعون خلال الشهر الواحد ما يتراوح بين 50 و75 ليرة تركية، فيما أجمع بعض السائقين على تنفيذ إضراب لا ينتهي إلّا بإلغاء مبلغ “الإتاوة”.

لماذا ندفع الضرائب؟

تأخذ الدولة -على فرض أن المجلس المحلي في مدينة الباب هو الدولة الآن- الضريبة مِن المواطن لقاء الخدمات التي تقدمها لـ صالح المدينة ويستفيد منها المواطن كـ بناء المدارس والمشافي والطرقات والحدائق والبنى التحتية وغير ذلك مِن مرافق، ومنها أيضاً تصرف الرواتب على موظفي القطاع العام الذين توظفهم في تلك القطاعات الخدمية التي تتولى إدارتها لـ صالح المواطن أيضاً.

ولكن طالما أن المجلس المحلي في مدينة الباب -ومنذ أكثر مِن 3 سنوات على استلامه إدارة المدينة بعد انتزاعها مِن تنظيم “الدولة”- غير قادر على تأمين الخدمات اللازمة للمدينة مِن كهرباء وماء وغيرها، إلّا مِن خلال التسويف عبر البيانات، فلماذا يفرض عليهم التراخيص ويطالب المواطنين بدفع المزيد مِن الضرائب “ماء (لم تُستجر بعد)، وكهرباء (ما تزال اشتراك أمبيرات)، ونظافة، وأرصفة، وطرقات، وغيرها)، ويزيد مِن وتيرتها ويطلبها بالليرة التركية مع انهيار الليرة السورية التي ما يزال المواطن يتعامل بها، دون أن يحدّد الأجور -المتدنية أصلاً- بالعملة البديلة التي يطالب الدفع بها، ما دفع المواطنين للقول “هل المجلس المحلي في الباب هو مجلس خدمات للمواطنين أم مركز لـ جباية الأموال منهم فقط؟”.

منذ نحو أسبوعين، كانت مدينة الباب تشهد احتجاجات نتيجة إصدار المجلس المحلي قراراً يرفع سعر بيع ربطة الخبز مِن 200 ليرة سورية إلى 350 ليرة، قبل أن تحدّد سعرها لاحقاً بـ ليرة تركية واحدة (أي نحو 400 ليرة سورية)، وذلك بعد أن بدأت معظم المجالس المحلية في ريف حلب بضخ فئات معدنية مِن النقد التركي في الأسواق، بهدف اعتماد الليرة التركية بديلاً عن الليرة السورية في جميع التعاملات.

تخضع مدينة الباب وجميع المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني السوري  للنفوذ التركي في ريف حلب، وتشهد بين الحين والآخر خروج مظاهرات للمطالبة بتشكيل مجالس محلية جديدة توفّر لها الخدمات اللازمة وعلى رأسها الماء والكهرباء، وتطالب بحل المجالس الحالية المتهمة بـ “الفساد، والمحسوبيات، وسرقة أموال الداعمين”، علماً أن “محلي الباب” قد حلّ نفسه، أواخر شهر نيسان الماضي، ولكن ما يزال على رأس عمله حتى الآن، دون معلومات عن موعد تشكيل المجلس الجديد، وهل سيكون بالتعيين، كما المجلس الحالي، أم بالانتخابات كما يُطالب سكّان المدينة.