يخبرني صديقي عن والده بأنه كان يمسك قلبه كلما اقترب شهر حزيران، يقول إن المقبرة ابتلعت معظم من يحبهم من أقربائه في هذا الشهر.

تحوّل الخامس من حزيران منذ العام ١٩٦٧ إلى ذكرى للنكسة، النكسة التي قوضت بحصولها أحلامنا جميعاً، خاصة لمن عاشها ولست منهم، بالعودة إلى فلسطين، لا أعرف إن كان من يحمل مفتاح بيته من المهجرين وقتها قد رماه إثر النكسة، وبدأ بتحويل الخيمة التي يسكنها إلى منازل ضيقة بجدران من القرميد والكثير من الممرات الضيقة “الزوابيق”، والتي باتت سمة المخيمات الفلسطينية في البلاد العربية.

هي نكسة مصرية سورية بامتياز، معها وفيها استطعنا تمييز الخطاب الذي يجيده من يتحكمون بمصائرنا بأنه لن يتعدى إشعال الحماس، وعندها سيعتذر حاكم للشعب ليعاد انتخابه كبطل عروبي، بنفس الحماس السابق دون أن يدفع فاتورة ما خسرناه، وتسوقنا الأقدار ليصبح المسؤول عن هزيمة رئيسنا إلى الأبد.

لا أعرف شعباً يتغنى بالخسارة كما نحن، نصدر المسؤول عن الهزيمة ونختبئ خلف خوفنا من إيجاد بديل وكلنا ثقة بأنه ومن غير المتاح لنا أن نوجد من يقود مرحلة ما بعد الهزيمة لينجو بنا، لنربح ولو لمرة واحدة، أو على الأقل لنشفى من هزائمنا النفسية، علينا في كل لحظة أن نسامح ونسامح، ونقدم الأعذار لمن لم يعذرنا.

هو الأبدي الخالد، وذاك فخر العروبة وسيدها، وبهما معاً اكتمل عقد النكسة، وفي كل مرة يمر اسمها أمامنا نطلقه وكأن شيئاً لم يكن، فالحديث عن النكسة يشبه الكلام عن مباراة رياضية بين فريقين، أو طبخة ينقصها الملح، وإن كان الكلام الأخير يتوجب عليه إقالة المدرب أو تنبيه صاحبة المطبخ، وهو ما حدث في تجارب كثيرة ومواقف لا تخلو من ذاكرة أي شخص فينا، فإن الكلام عن النكسة لم يستوجب أي ردة فعل، سوى في مشهدين اثنين: رئيس يعتذر ليبقى، ووزير دفاع يتغول ليصبح رئيس كل شيء.

حزيران نفسه، وربما من قبيل المصادفة، هو من حمل نكسة أخرى، بموت حافظ الأسد، ومفهوم النكسة هنا لا يعني الحزن على موته أبداً، ولكنه وفي الحقيقة وبموته استدعى أن ينصب علينا جلاداً آخر، كيلا تمحى خطايا حزيران في نفوسنا.

كان علينا أن نوقع على صك الاعتراف بالرئيس الجديد، عقد مجلس الشعب كعادته في تصدير الهزائم وجلدنا بها ليعدل الدستور في ساعات وينصب علينا ابن صاحب النكسة، في انتكاسة أخرى ستشهدها سوريا خلال سنوات حكمه، والتي ظهرت جلياً منذ بداية الثورة السورية.

لم يخل حزيران واحد، وربما يوم واحد منذ بداية الثورة من مجزرة بحق السوريين، ورغم انشقاق الضابط حسين هرموش في التاسع من حزيران والذي أوحى لنا ببداية صلح سنعقده مع حزيران، إلا أن مصير الهرموش المجهول أعاد لنا لعنة شهر النكسة من جديد.

وفي الثامن من حزيران الماضي قتل ساروتنا، يحاول هذا الشهر أن يبتلعنا جميعاً، هي نكسة أخرى تشبه هزائمنا الماضية. باستشهاد الساروت يخبرنا حزيران أن لا صلح مع أيامه، وإن رزنامته ستبقى حاملة معها نكساتنا جميعاً، ونضيف إليها في كل عام حوادث جديدة، لن تبدآ عند اغتيال الصحفي سمير قصير ولن تنتهي بمجزرة أطفال الحرية في حماه.

أمسك قلبي كوالد صديقي علّ حزيران يكتفي من دمائنا، خاصة مع المظاهرات المتجددة التي تشهدها السويداء هذه المرة، أملاً في فرح يجد لنفسه مكاناً في قائمة الأيام السوداء التي نعيشها، إلا أن مقابرنا لا تغلق شهيتها للموت في قرانا قبل سبعة أشخاص، هكذا أخبرتني أمي وهي تنتظر مرور حزيران سريعاً، تقول “الله يمضي هالشهر على خير دون أن نفجع به”، بينما يعيش سكان سوريا قلق السابع عشر من حزيران، حين تحول العقوبات دون وصول السكان إلى “لقمة الخبز” ووتتركهم جميعاً فريسة للجوع.