استقبل السوريون العيد هذه السنة بغصةٍ ممزوجةٍ بالحزن والمعاناة، فعيد الفطر لم يكن سعيداً بالنسبة لهم، وسط ظروف الفقر وارتفاع الأسعار، التي حرمت كثيراً منهم من شراء مستلزمات العيد، في حين وقف كورونا حائلاً أمام آخرين فمنعهم من ممارسة طقوس العيد التي اعتادوها.

طقوسٌ مختلفة

تفاوتت أجواء العيد بين مناطق النظام والمعارضة، يقول أبو رضا من أهالي دمشق “أي عيدٍ أطلّ علينا، وقد افتقدنا لأول طقوسه وهي صلاة العيد، والتي لم نتمكن من إقامتها هذا العام لأول مرةٍ خوفاً من انتشار كورونا، فحين استيقظت في صباح أول أيام العيد، وقفت على شرفة المنزل واستذكرت بحرقةٍ الأعياد الماضية، حيث كنت أبدأ يومي بالذهاب للمسجد وتبادل التهاني مع المصلين، ومن ثم زيارة مقبرة العائلة، وبعدها الانطلاق لزيارة الأهل والأقارب”.

وكان المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف في حكومة النظام قد أعلن عن  تعليق صلاة عيد الفطر في المساجد، بعد أن تجاوزت أعداد الإصابات حاجز المئة، إضافةً لفرض حظر تجوالٍ كاملٍ منذ الساعة السابعة والنصف مساءً حتى السادسة صباحاً.

وأضاف أبو رضا لفوكس حلب “أجمل ما في العيد أنه موعد لزيارة الأحبة، ولاسيما أول يوم والذي يكون فرصةً للاجتماع في بيت العائلة، لكن مع تفشي وباء كورونا، لم نعد نجرؤ على زيارة الأقارب، وأصبحنا نكتفي بتبادل التهاني عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي”.

وتابع أبو رضا قائلاً: “الحظر المفروض مساءً، سيمنع الناس حتى من زيارة الأشخاص المقربين كالأهل والأخوة، لاسيما من يقيمون في الضواحي والأرياف، إذ لن يكون هناك وقتٌ كافٍ للذهاب إليهم والعودة في يوم واحدٍ قبل بدءِ موعد الحجر، كما أن أغلب الأشخاص يُفضّلون إجراء زيارات العيد في الفترة المسائية، وخاصةً مع ارتفاع درجات الحرارة”.

كما اعتاد السوريون خلال الأيام الأخيرة من رمضان، على الخروج إلى الأسواق بعد الإفطار لشراء الألبسة والحلويات، إلا أن الحظر المفروض مساءً في مناطق النظام، جعل الأسواق فارغة، إضافةً إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار، دفع كثيرين منهم للامتناع عن الخروج إلى الأسواق قبل فترة الحظر.

في مناطق المعارضة لم يمنع الواقع الاقتصادي السيء وغلاء الأسعار إقامة طقوس العيد، وانتشرت مقاطع فيديو وصور على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر الازدحام الكبير في الأسواق خلال يوم الوقفة وخاصةً في مدينة إدلب، كما كانت أصوات التكبيرات تصدح في أول أيام العيد، حيث اتجه الأهالي إلى المساجد التي اكتظت بالمصلين لأداء صلاة العيد، والتي لم تغب عن مناطق المعارضة على عكس مناطق النظام.

وقال أمجد واحدي من سكان مدينة إدلب ” لم يُعلن عن أي إصابة كورونا في مناطق المعارضة، وهذا ما شجّع الأهالي لاصطحاب أطفالهم إلى ألعاب العيد ليزرعوا جزء من الفرحة في قلوبهم، لاسيما أن ارتفاع الأسعار منعهم شراء بعض المستلزمات”.
كما كان للوضع الأمني الذي تعيشه إدلب بعد توقف إطلاق النار وغياب القصف دورُ كبيرُ في ممارسة بعض طقوس العيد المختلفة، مثل الذهاب إلى صلاة العيد أو زيارة الأقارب والأهل، واصطحاب الأطفال إلى الحدائق والألعاب، في حين افتقدوا لبعض تلك الطقوس خلال الأعوام الفائتة في ظل القصف المتواصل.

وأردف “واحدي” لفوكس حلب، “كانت التجمعات كثيفةُ في الأسواق يوم الوقفة، وهو سلوك خاطئٌ قد يُساهم في انتشار كورونا، لكن أغلب السكان والنازحين في وضع مادي سيء أجبرهم على فتح محالهم وبسطاتهم لتأمين قوت عيالهم”.

ألبسة البالة تزيّن العيد

عمد الأهالي للتفتيش عن حلولٍ بديلةٍ ليتمكنوا من إسعاد أطفالهم، وقال غزوان هاشم مهجّر من زملكا إلى عفرين “وضعنا المادي سيء، لكن لم اتقبّل أن يمر العيد دون شراء ألبسةٍ وحلويات لأولادي فالعيد للأطفال، لذلك اضطررت لبيع بعض قطع الأثاث في المنزل لأستطيع شراء ألعاب ولباس العيد”.

وأضاف غزوان “بعض الناس اضطروا لشراء ألبسةٍ من محلات البالة، أو ألبسةٍ بجودةٍ رديئةٍ من البسطات على الأرصفة، بينما لم يتمكن آخرون من شراء أي لباس، وفضّلوا تأمين مستلزمات البيت الأساسية، فبالنسبة لهم ليس هناك عيد هذا العام، في ظل الارتفاع الكبير بالأسعار”.

وشهدت أسعار الألبسة في مناطق النظام، ارتفاعاً كبيراً مقارنةً بمناطق المعارضة، حيث بلغ سعر الطقم الولادي 22 ألف ليرة سورية، فستان بناتي 25-35 ألف، حذاء ولادي 12 ألف، الطقم الرجالي 50-100 ألف حسب الماركة والقماش، عباءة نسائية 50-75 ألف، بنطال جينز 15-25 ألف، قميص أو كنزة رجالي 10-15 ألف.

وقال أبو رضا من أهالي دمشق: “لديّ أربعة أولاد، وشراء ألبسة لهم في العيد يُكلّف 100 ألف ليرة على الأقل، عدا تكاليف الألبسة لي ولزوجتي وضيافة العيد، في حين لا يتجاوز راتبي ٧٥ ألف ليرة، لذا طلبت من زوجتي شراء ألبسةٍ من سوق البالة في منطقة القنوات، فسعر القميص الرجالي 1500 ليرة من البالة، بينما يبدأ سعره في المحال الجاهزة من تسعة آلاف”.

وطال ارتفاع الأسعار هذا العام ألبسة البالة أيضاً، نتيجة تراجع قيمة الليرة مقابل العملات الأجنبية، إضافةً إلى زيادة الطلب عليها، لكنها مع ذلك تبقى بالنسبة لكثير من الأهالي والنازحين، أرخص بكثير من الملابس الجديدة الموجودة في المولات والمحال التجارية.

صحن كعك وفنجان قهوة

وعُرف السوريون خلال أيام العيد بالسخاء في تقديم الضيافة، وقالت أم عبدو نازحة في جرمانا “أذكر أننا قبل بدء الثورة حين كانت الأسعار رخيصة، كنا معتادين على تقديم ضيافة متنوعة، ففي بداية الزيارة نقدّم الموالح مع الشاي، ومن ثم حلويات العيد الفاخرة، وبعدها البوظة أو العصير، وثم الفواكه وفي النهاية فنجان القهوة، إضافةً إلى تقديم القهوة المرّة أكثر من مرة، وعند مغادرة الضيوف يأتي وقت ضيافة العيد من شوكولا وراحة وبسكوت وسكاكر”.

 

وأضافت أم عبدو “أما اليوم تقلّصت الضيافة كثيراً، ففي هذا العيد لم نقدّم سوى الكعك الأصفر السادة الذي قمت بتحضيره في البيت، إلى جانب فنجان القهوة، فالأسعار الباهظة في الأسواق منعتنا من شراء أي حلويات أو فاكهة، فكيلو المعمول بالفستق بـ 18 ألف ليرة سورية، المعمول بالجوز بـ 12 ألف، المعمول بالعجوة بـ 8 آلاف، كما أن أغلب أنواع الفواكه كالكرز والمشمش والجارنك والفريز باهظة الثمن، ولا يقل سعر الكيلو منها عن ألفي ليرة”.

وأشارت أم عبدو إلى أن “أغلب العوائل اكتفت بتحضير الكعك الأصفر، خاصةً أن مكوناته رخيصة وطريقة تحضيره سهلة، وهي الدقيق الأبيض والسكر والشمرة وقليل من الزيت والعصفر والحبة السوداء، وكذلك الكركم الذي يُكسبه اللون الأصفر، حيث تعجن هذه المكونات مع الماء وتترك لساعات، وبعدها تقطّع لقطعٍ صغيرة وتُعمل على شكل حلقات صغيرة وتُضع في الفرن، بينما استغنت كثير من ربات المنازل عن تحضير معمول الجوز والفستق لغلاء مكوناته، والبعض حضّر المعمول بفستق العبيد لانخفاض سعره”.

كما ارتفعت أسعار الموالح بشكلٍ كبيرٍ، ما دفع أغلب العوائل للاستغناء عنها من ضيافة العيد، وبلغ سعر كيلو الفستق الحلبي 25 ألف، الموالح المشكلة 10 آلاف ليرة، الموالح المشكلة بدون قلوبات 3 آلاف، الكاجو المالح أو اللوز المدخن 15 ألف، بزر دوار الشمس 3500، البزر الأبيض 7 آلاف، الفستق المالح أو البزر الأسود 3 آلاف، والبزر المصري 4 آلاف.

وشهدت الليرة السورية خلال الأيام الماضية تراجعاً كبيراً مقابل الدولار، ووصلت  حاجز ألفي ليرة، ثم تحسنت قليلاً واستقرت عند 1700، ما سبّب ارتفاعاً في الأسعار، إضافةً إلى تعمّد بعض التجار وأصحاب المحلات لرفع أسعار بعض السلع مع قدوم العيد نتيجة الإقبال على شرائها.