خسر السكان الذي يعيشون في ريفي إدلب وحماه نحو ثلاثة آلاف كيلو متر مربع من مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة، منذ بداية العام الحالي وحتى اتفاق وقف إطلاق النار في الخامس من آذار الماضي، معظم تلك المساحات كانت مراعٍ للماشية وأراضٍ زراعية ما تسبب بتدهور واقع الثورة الحيوانية في المنطقة.

وكان محمد المزروعي وهو مربي ماشية من بلدة قسطون بسهل الغاب أحد السكان الذين تأثروا بهذه الخسارة بشكل كبير، إذ اعتمد طوال حياته على مهنته في تأمين الدخل اللازم لحياته، ليصل عدد القطيع الذي يملكه خلال السنة الماضية إلى مئتين وستين رأساً من الأغنام.

لا يملك محمد وفرة من المال تغطي احتياجات عائلته وأكلاف تربية قطيعه بعد فقدان المراعي ما اضطره للتخلي عن ثلثي المواشي وبيع نحو مئتي رأس منها، فقوات الأسد تمركزت بالقرب من قريته وفي منطقة واسعة من سهل الغاب الذي يوصف بسلة المنطقة الغذائية والمسرح الأكبر لرعي الماشية.
يعيش محمد اليوم في بلدته قسطون التابعة لناحية الزيارة بريف حماه، ورغم ملكيته لنحو خمسين دونماً من الأراضي الزراعية كان يعتمد عليها بعد حصادها كمرعى لماشيته إلا أنه ترك ما تبقى من قطيعه والبالغ نحو ستين رأساً من الغنم في منطقة بعيدة بالريف الشمالي لإدلب خوفاً من خسارتها نتيجة القصف. يفتقد محمد مهنته وقطيعه وحقله الذي غدا “بوراً= بدون زرع” لصعوبة الوصول إليه، كذلك مراعي ريف معرة النعمان الشرقي والتي كان رعاة الأغنام يطلقون عليها اسم “العزبة” للسبب ذاته.
المزورعي واحد من مئات مربي الماشية الذين تأثرت مهنتهم بفعل الحملة العسكرية التي امتدت منذ شباط ٢٠١٩ وحتى آذار ٢٠٢٠، والذين كانوا يملكون في سهل الغاب نحو (خمسين ألف رأس من الغنم والماعز وستة آلاف وخمسمائة رأساً من البقر، ونحو ثمانمائة رأس من الجاموس)، بينما يملك مربو الماشية في جبل شحشبو نحو (أربعين ألف رأس من الغنم والماعز و ثلاثمائة ألف وخمسمائة رأس من البقر دون تواجد لقطعان الجاموس)، بحسب إحصائيةٍ صادرةٍ عن مديرية زراعة حماة الحرة.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

يقدر أنس أبو طربوش (المهندس والباحث الزراعي، بحسب تعريفه عن نفسه، والذي كان يشغل مدير زراعة حماه خلال العام الماضي) نسبة الخسارة بنحو ٤٠٪ من العدد الكلي خلال فترة المعارك الماضية، ويرجع السبب لـ “ضيق مساحات الرعي في المناطق الشمالية، إضافةً لحاجة المربين لثمن المواشي في مصاريفهم المعيشية، بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية”.
وتبلغ مساحة المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام منذ مطلع العام الماضي وحتى إعلان وقف إطلاق النار في آذار/ مارس من العام الحالي 3050 كم مربعٍ ، تلك الخسارة أدت لفقدان أجزاء واسعة من سهل الغاب والذي يعتبر سلةً غذائيةً مهمةً لمناطق المعارضة، إضافةً لتدهور تربية المواشي والذي يهدد بكارثةٍ في حال لم يقدم الدعم اللازم للمربين للاستمرار بمهنتهم. يقول المهندس أبو طربوش ويشرح ذلك بخسارة “ناحية قلعة المضيق “غرب حماة” بما فيها من قرى وبلدات، و تقدر مساحتها الإجمالية بما يعادل 60 ألف هكتارٍ، بينما تُسيطر المعارضة على ناحية الزيارة، والتي تقدر مساحتها بنحو 47 ألف هكتارٍ ما بين أراض سهليةٍ وسفوحٍ جبليةٍ ملاصقةٍ لمنطقة جبل الزاوية جنوب غرب إدلب”.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

تقدم قوات الأسد على مناطق واسعةٍ من سهل الغاب منع أهالي الزيارة من زراعة أجزاءٍ واسعةٍ من أراضيهم خوفاً من استهدافها المتكرر من قبل قوات الأسد والتي باتت تكشف تلك الأراضي من معسكراتها الجديدة، وبذلك خسرت المعارضة محاصيلاً مهمةً مثل الخضروات والقمح، كما خسرت الثروة الحيوانية مخلفات تلك المزروعات والتي اعتاد الرعاة على إطعام مواشيهم منها بعد انتهاء الموسم لتكون بديلاً عن الأعلاف، ما انعكس بشكلٍ سلبيٍّ على تربية الماشية في المنطقة، يكمل أبو طربوش الذي أعرب عن قلقه من “ضعف الواقع الاقتصادي للمزارعين في منطقة الزيارة وذلك لاستحالة وصولهم إلى حقولهم التي باتت مكشوفةً على معسكر جورين وعددٍ من الحواجز القريبة الأمر الذي أدى لنزوح أغلب السكان وخسارة المواسم الزراعية وانتهاء عملية رعي المواشي”.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

ويعتبر سهل الغاب أحد أهم المراعي المتواجدة شمال غرب سوريا، يقصده الرعاة من مناطق بعيدةٍ رغم خطورة الوضع الأمني الذي تشهده المنطقة، للاستفادة من مراعيه الواسعة، يجبرهم على ذلك غياب الدعم عن الثروة الحيوانية، وضعف القوة الشرائية للحوم الماشية في الأسواق إذ باتت تلك العوامل تهدد تربية “المواشي”، والتي تعتبر إحدى المهن  الرئيسية للسكان في شمال غربي سوريا.

محمد الأحمد