يشهد موسم “الفريكة” في مناطق المعارضة شمال غرب سوريا ازدهاراً مقارنة بالأعوام السابقة رغم تقلص المساحات الزراعية،

وذلك بسبب توجه المزارعين لتحويل حقول القمح خاصتهم إلى فريكة خوفاً من تعرضها للاحتراق، كما حدث في العام السابق، أو استهدافها من قبل قوات الأسد وحرقها، كذلك امتناع أصحاب الحصادات من دخول تلك المناطق الخطرة،  وبالتالي سيجبر الفلاح على حصادها يدوياً، ما سيكبده أجوراً إضافية.
يبحث أصحاب الحقول القريبة من مناطق النظام عن “ضمّان” ليقوم بجني المحصول وتقسيمه مناصفة مع الفلاح، في حين تتجاوز أجور ضمان الهكتار الواحد من القمح في المناطق الآمنة والبعيدة عن مناطق النظام، مليون ونصف المليون ليرة سورية، مرتفعة بنسبة 100% مقارنة بالعام الماضي بحسب تقرير أعده موقع فوكس حلب في العام الماضي. الأمر الذي يدفع بعض “الضمّانة” للبحث عن حقول قريبة من الجبهات العسكرية للعمل عليها بنظام الحصة ما يوفر عليه دفع مبلغ الضمان الأولي.

حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب
حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب

خوف “الضمّان” من العمل لساعات طويلة في الحقول القريبة من قوات الأسد يدفعه لقطاف سنابل القمح ونقلها بالسيارات إلى أماكن أكثر أمنا، ثم يقوم بتجفيفها وحرقها ودرسها وتحويلها لمراكز البيع والاستهلاك، وتعتبر هذا الطريقة أكثر كلفة من العمل في الحقل لكنها تخفف من المخاطر التي قد يتعرض لها العمال عند إشعال النيران. بينما يعمد آخرون للبحث عن عمال من المخيمات القريبة للعمل في تلك الحقول، الأمر الذي وصفه البعض بالمخاطرة خوفاً من تعرضهم للقصف.
متاعب العاملين بالفريكة

يعمل “أبو خالد “مهجر من ريف حلب الغربي” مع عائلته ضمن تلك الورشات، وتحدث لنا عن تعرضهم للخداع من قبل “الضمان” الذي عملوا معه إذ أكد لهم أن الحقل الذي سيعملون به آمن وبعيد عن قوات الأسد، لكن تلك الوعود تلاشت بعد سقوط أول قذيفة بالقرب منهم.

حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب
حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب

يقول أبو خالد إن الخداع يطال أحياناً أجور العمال فبعد أن تم الاتفاق مع أحد “الضمّانة” على أجرة ستة آلاف ليرة سورية لليوم الواحد وأنهينا العمل، تهرب صاحب العمل من دفع المبلغ المتفق عليه ودفع أربعة آلاف بحجة أن الغلة لم تكن وفيرة كما توقع ما عرضه للخسارة، الأمر الذي دفعنا لترك العمل معه والبحث عن غيره.
وذكر أبو خالد أن جهل بعض النازحين العاملين في المهنة بمناطق الحقول عرضهم في أحد المرات للخداع من “الضمان” الذي أخبرهم أن العمل سيكون في حقول “معرة النعسان” شمال شرق إدلب والتي تعتبر بعيدة نسبياً عن أماكن تواجد قوات النظام السوري، لكنه أخذهم إلى حقل لا يبعد عن السواتر الترابية التي رفعها الجيش بمحيط الفوج 46 بريف حلب الغربي مسافة 100 متر، وطالبهم بالاستمرار بالعمل وإشعال النيران لحرق الفريكة حتى الحادية عشر ليلاً، وعند رفضهم تعرضوا للإهانة والشتائم، ما اضطرهم للعودة إلى أقرب قرية مشياً على الأقدام ومن ثم استئجار سيارة للعودة إلى مخيمهم بمحيط بلدة “زردنا” بعد امتناع صاحب العمل عن إيصالهم.
في الوقت نفسه تحدث بعض من التقيناهم أن الأجور لا تتناسب أبدا مع الجهد المبذول وساعات العمل الطويلة، إذ يعمل عمال “الفريكة” على فترتين تبدأ الأولى من الرابعة صباحاً حتى التاسعة، والفترة الثانية من الساعة الواحدة ظهراً حتى الخامسة، مقابل أجر يتراوح ما بين 2500 ليرة إلى 4000 يحصلون عليها بشكل يومي، وهو ما يرونه مجحفاً مقارنة بالجهد المبذول وقيمة الليرة السورية.
تحضير “الفريكة” للمؤونة
يعتمد عبد الحكيم التوفيق”من أهالي بلدة زردنا” على الأسلوب القديم في حرق الفريكة، إذ يقوم بحرق السنابل عن طريق استخدام القش خلافاً للطريقة الرائجة حالياً بحرقها عبر النيران الصادرة عن خراطيم توصل بأسطوانات الغاز، وتعرف بـ “الشلمون” لا يسعى التوفيق لإنتاج كميات كبيرة للتجارة، بل يرغب بتأمين مؤونة بيته ويهتم بأن تكون أكثر لذة.
يقول “التوفيق” إن هذه الطريقة كانت الأكثر رواجاً في السابق ولم يكن موضوع الاتجار بالفريكة منتشراً كما اليوم، إذ اعتاد أصحاب الحقول على تحديد مساحة من الأرض للجيران والأصحاب لحرقها وتحويلها إلى فريكة.

أكوام الفريكة بعد حصادها وحرقها تمهيداً لتحضير الفريكة
أكوام الفريكة بعد حصادها وحرقها تمهيداً لتحضير الفريكة

يعتمد التوفيق على القمح القاسي في إنتاج الفريكة، يقول إنه أجود وله نكهة مميزة بالفريكة، بينما يختار التجار الأنواع الطرية من القمح لأنها تعرف بإنتاجها الأكبر مقارنة بالنوع القاسي، ويعمد التجار إلى طريقة بدائية بتقدير إنتاجية القمح عبر اختيار عدة سنابل وحرقها وعد حباتها للمقارنة مع الحقول الأخرى ومعرفة الحقل الأفضل إنتاجاً بحسب أبو توفيق.

يتراوح إنتاج هكتار القمح من مادة الفريكة بين (٢-٣ طن) ويبلغ سعر الكيلوغرام من الفريكة الخضراء نحو 600 ليرة سورية، في حين تجاوز سعرها يابسة في العام الماضي 1300 ليرة سورية، مع توقعات بزيادة سعرها في العام الحالي نتيجة انخفاض قيمة الليرة السورية ما يجعل الحصول عليها، رغم كثرة انتاجها، حلماً لدى الكثير من العائلات السورية.