يسرع أحمد في الوصول إلى بيت جيرانه حاملاً الطبق الذي أرسلته والدته “سكبة” ليصل ساخناً قبيل أذان المغرب، في الوقت الذي تشكو فيه أم يوسف سوء الأحوال التي تعيشها، فمنذ بداية شهر رمضان لم تطبخ “ما عليه القيمة” على حد قولها، لترد لجيرانها “سكبتهم” والأطباق التي تجمعت في مطبخها، تقول إنها تخجل من إرسالها فارغة، وإنها تفكر في كثير من الأحيان بعدم فتح الباب تجنباً للحرج.

و”السكبة” من عوائد السكان في مختلف البلاد العربية، تزيد في رمضان بنسبة كبيرة، إذ لا يكاد يخلو بيت منها، إذ تعمد ربة المنزل إلى “سكب” طبق من طبختها اليومية وإرساله إلى جارتها، والتي ستعاود بدورها إرسال طبق من أكلتها، لنفس الجارة أو لجارة أخرى، فتتوزع الأطباق بين الجيران لتعود في اليوم التالي حاملة معها أصنافاً جديدة من الطعام. ويتصدى لهذه المهمة الأطفال الصغار الذين يشعرون بالفرح كلما كانت “السكبة” من طبخة معتبرة، وبالخجل إن كانت طبقاً عادياً ويختلفون فيما بينهم عن الشخص الذي سيوصله.
إضافة لدورها في تنوع المائدة وتساوي معظم العائلات في طعامهم، الفقراء والأغنياء، من خلال ما يتم تناقله بين الجيران من “سكبات”، فلهذه العادة دور كبير في تعزيز أواصر المودة بين العائلات المتجاورة، يقول فاضل الحمادي من ريف إدلب “إن السكبة من العادات التي ألفناها منذ القدم، وهي تحمل في مفهومها التآلف الإنساني”، ويصفها بـ “أكثر الطقوس الرمضانية التي تعزز علاقة الحب والمودة بين العائلات المتجاورة”.

ويتفق من التقيناهم على أن للسكبة الرمضانية العديد من الفوائد الاجتماعية، أبرزها تنويع الموائد بأقل تكلفة، وتذوق طبخات متعددة، وفيها فنون طهي مختلفة، إضافة لكونها باباً لطيفاً لتقديم الطعام للعائلات الفقيرة، وتنويع موائدهم كما العائلات الميسورة، بحسب عبد الرزاق صبيح، والذي رأى أيضاً في هذه العادة وسيلة للمنافسة بين النساء في إظهار فنهم بالطبخ ومذاقه الطيب، وطرق تزيين الصحون..

كذلك “للسكبة” عادات يجب الالتزام بها، منها أن يكون الطعام ساخناً وجديداً، كذلك إيصاله قبيل وقت الإفطار، وأن يكون منسقاً بعناية تدل على احترام ربة المنزل لجيرانها، وأن ترد هذه الصحون بصحون أخرى، في عملية التبادل، ويقع في الحرج من لا يستطيع رد “سكبته”، وكذلك الانتقاد أحياناً، “قالتلها يا جارتي سكبيلي، ردت عليها، بكفوفي لما بصحونك يلي على رفوفي” وهو بحسب الحاجة صباح الدمشقية مثل شعبي كانت النساء تتمتم به استياءً وسخريةً من أي جارة لا ترسل أطباقاً لجاراتها، فهي عادة واجبة بالرمضانات السورية القديمة، وختمت الحاجة كلامها بالقول ” أما هلق الوضع تغير كتير”.

تراجعت خلال السنوات الماضية عادات كثيرة، ومنها السكبة، وذلك لعدة أسباب أهمها ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال الاقتصادية، تقول السيدة شادية، من سكان مدينة إدلب “إن تكلفة أي طبخة مرتفعة جداً اليوم، حتى لو اعتمدت بكاملها على الخضار، وأقل وجبة قد تكلف 2000 ليرة سورية، لذا يعمد الناس، للاختصار قدر الإمكان بكمية الطعام”. في حين يرى أسعد النعسان، أحد سكان ريف إدلب الشمالي، أن أحوال النزوح وتباعد الأقارب والجيران وتوزعهم في حارات ومخيمات ومدن مختلفة ساهمت في تراجع هذه العادة إضافة إلى الإحراج الذي باتت تسببه لبعض الناس، لأنها تكشف أحوالهم المادية، يؤيد ذلك عبد العزيز المنصور، معتبراً أن بعض الميسورين صاروا يمتنعون عن إرسال أطباق لجيرانهم حتى لا يحرجونهم بالرد الذي لن يتمكنوا منه.

يتمسك بعض الأهالي بهذا الطقس متجاهلين كل موانع ممارسته، ويعدونه من أساسيات رمضان، فقبل الإفطار بدقائق يجب أن تخرج صحونهم للجيران والأقارب، ويرتبط الأمر لديهم بعادات وتقاليد يعتبرون تركها زعزعة لطقوس رمضان التي ألفوها، ويرون فيها بركة في المائدة، وزيادة في الخير الذي لن ينقص من أموالهم أو طعامهم، فهي عملية تبادلية بكل الأحوال، ولا ينبغي أن تتوقف لما لها من أهمية معنوية ومادية، معتمدين على المثل الشعبي “أكل الواحد بيكفي تنين وأكل ثلاثة بيكفي خمسة”.

يقول حسين الصبا “ما أزال متمسكا بهذه العادة، بقدر معين، فأوضاعي المادية لا تسمح بتمرير صحوني على كل الجيران كما اعتدت سابقا”، كذلك خديجة الوهوب، من ريف حلب الغربي والتي قالت إنها ما تزال متمسكة وجيرانها بهذه العادة “صحيح في ضيقة كتير، بس رمضان بدون سكبات مو زابطة، لازم نتشارك ٲكلنا كجيران، ونبعت لبعض، مهما صعبت الظروف ما تتقطع صلاتنا، ونستمر بكل خير”