استكملت القوات التركية الروسية، يوم أمس الثلاثاء، سادس دورياتها المشتركة على الطريق الدولي اللاذقية -حلب أو ما يعرف بـ M4، ولم يختلف مخطط سير الدورية عن سابقاتها، إذ تحركت من نقطة الترنبة الواقعة تحت سيطرة القوات الروسية باتجاه نقطة النيرب الواقعة تحت سيطرة القوات التركية، بمسافة تقدر بنحو ثلاثة كيلومترات.
كان من المقرر،بحسب ما فهم من الاتفاق التركي الروسي، أن تسير الدوريات المشتركة على كامل الطريق الممتد من عقدة سراقب شرق إدلب حتى جسر الشغور، لكن وجود المعتصمين على الطريق المذكور منع من تنفيذ الاتفاق. إذ أعلن مجموعة من الناشطين في الثالث عشر من آذار الماضي عن بدأ تنفيذ اعتصام مفتوح على طريق أريحا لمنع الدوريات الروسية من العبور، ثم ما لبث أن نقل المعتصمون خيامهم واعتصامهم بعد أيام إلى بلدة “النيرب” شرقي مدينة أريحا .

جاء الاعتصام احتجاجاً على الاتفاق التركي –الروسي الذي أبرم في العاصمة الروسية موسكو بتاريخ الخامس من شهر آذار/ مارس، والذي ينص على وقف الأعمال القتالية في المنطقة وتسيير دوريات تركية روسية مشتركة على الأوتستراد الدولي M4

الدعوات التي وجهها الناشطون للاعتصام لاقت في البداية قبولاً ومشاركة شعبية كبيرة، محور هذا الدعوات كان التعبير عن رفض الوجود الروسي ضمن تلك المناطق بشكل كامل، باعتبارها دولة محتلة ولا يمكن قبولها كضامن بأي شكل من الأشكال، ولأن وجود تلك الدوريات سيمهد لدخول قوات الأسد إلى المنطقة الواقعة جنوب طريق أريحا، على غرار ما حصل في درعا، ما يعني خسارة مناطق شاسعة من ريف إدلب بدون قتال، وحرمان أصحابها من العودة إلى منازلهم واستمرار مأساة النزوح لعشرات الآلاف من السكان.
وقال المعتصمون إن أبرز أهدافهم منع الدوريات الروسية من المرور على الطريق حلب -اللاذقية  في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من بلدة النيرب شرقي إدلب إلى عين حور والتي يقدر طولها بنحو سبعين كيلومتراً.

سمح المعتصمون للدوريات التركية بالمرور من قرية “الترنبة” الخاضعة لسيطرة قوات النظام وحتى مشارف مدينة أريحا بواقع تسيير دوريتين يومياً، ولم يسمحوا للدوريات الروسية بالعبور.

بمرور الوقت تراجع التعاطف الشعبي مع الاعتصام وقلّ عدد المشاركين فيه، وانقسم النشطاء والمعتصمون بين مؤيد لاستمرار هذا الاعتصام ورافض له، وبدأت تنتشر دعوات لفضه والسماح للدوريات الروسية -التركية بالمرور. يتذرع أصحاب هذه الدعوات بتبعية المشاركين في الاعتصام لحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، ويقول من تحدثنا معهم إن الاعتصام لم يكن عفوياً، بل عمدت الهيئة لتسويقه والدعوة له عبر موالين لها، وذلك للفت الانتباه مجدداً بأنهم ما يزالون القوة الوحيدة على الأرض والتي تتحكم بمقدرات الأمور، وإنها ما تزال تملك حاضنة شعبية تستطيع الاعتماد عليها في تحريك الشارع ضد أي قرار يخالف مصالحها، يؤكد أصحاب هذا القول إن الاعتصامات فيما لو كانت عفوية وغير مسيسة كانت ستجد حاضنة شعبية أكبر، وكانت تركيا ستضطر للتماشي مع ما يريده السكان.

يخبرنا من تحدثنا معهم أن وجود المعتصمين على الطريق الدولي “غير مثمر” ولن يفلح في تعطيل ما تم الاتفاق عليه، إذ ليس هناك حلول سوى القبول بهذه الاتفاقات أو مواجهتها عسكرياً، كما يجدون في الاعتصام تأخيراً في تنفيذ بنود الاتفاق المشروط بتسيير الدوريات والذي سيضمن عودة جزء من النازحين إلى المناطق التي ستكون تحت حكم المعارضة بضمان تركي بعد انسحاب قوات الأسد إلى خطوط اتفاق سوتشي.
عمل الجانب التركي على إنهاء الاعتصام في محاولتين كانت الأولى في الثالث عشر من نيسان الجاري، إذ طالب الجنود الأتراك المعتصمين في النقطة المتقدمة التي تم إحداثها قرب بلدة الترنبة بالانسحاب إلى النقطة القديمة في بلدة النيرب، قوبل الطلب بالرفض، فقامت قوات تركية باقتحام النقطة وتفريق الاعتصام بالقوة، ما دفع عناصر من هيئة تحرير الشام لإطلاق النار في الهواء الأمر الذي فرض حالة من التوتر دامت يوماً كاملاً قبل أن يعود المعتصمون إلى خيامهم من جديد.
المحاولة الثانية كانت في الثامن والعشرين من نيسان الحالي، إذا حاولت الشرطة التركية تفريق المتظاهرين الذين لم يمتثلوا لأوامرها باستعمال قنابل الغاز المسيل للدموع، وتطور الأمر ليندلع اشتباك مسلح بين المعتصمين والقوات التركية قتل على إثره خمسة من المتظاهرين وأصيب ثلاثة عناصر من الجيش التركي بجروح.
وقال أحد المشاركين في الاعتصام، إن المتظاهرين لم يستخدموا السلاح مطلقاً، وإن من أطلق النار على الجيش التركي شخص مجهول من قبلهم كان يستقل دراجة نارية، ما دفع الجيش التركي للرد على المعتصمين، وإن الأمور عادت إلى نصابها والمعتصمون مستمرون في اعتصامهم حتى نيل مطالبهم.
من جانبه قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جفري في بيان نشره على حساب السفارة الأمريكية بدمشق، إن “الولايات المتحدة ترفض تصريحات وزارة الدفاع الروسية وتصريحات إعلامية تزعم فيها أن المظاهرات السلمية في إدلب ضد الدوريات العسكرية الروسية نظمها إرهابيون يحاولون استخدام المدنيين كدرع بشري”، واعتبر المبعوث الأممي، أن “رد فعل السوريين على الدوريات العسكرية الروسية في إدلب ليس مفاجئاً، فمنذ ما يقرب من عام، شن نظام الأسد -بدعم روسي وإيراني- هجوماً عسكرياً طائشاً لا يرحم على إدلب أدى إلى مقتل وجرح الآلاف من المدنيين وتسبب في نزوح ما يقرب من مليون سوري، حيث أعرب متظاهرون أمس عن اعتراضهم على تورط روسيا النشط في الهجوم العسكري على إدلب”.
أياً كان الخلاف حول جدوى الاعتصام من عدمه، فإن التعبير السلمي عن موقف معين لا يستوجب مجابهته بالقتل والرصاص الحي، وإن كان لا بد من تحمل المسؤولية فعلينا أولاً أن نفهم بنود الاتفاق الغامض والذي لم يعلن من تفاصيله، حتى اللحظة، سوى تسريبات من هنا وهناك، ما يتيح المجال أمام تكهنات كثيرة أقلها سوءً تسليم كافة القرى والبلدات جنوب الطريق الدولي لقوات الأسد وتحويل نحو مليون مدني إلى نازحين دائمين دون أمل بالعودة من جديد.