بائع سوس في إدلب
بائع سوس في إدلب

“شفا وخمير يا عرقسوس بارد وخمير تهنى يا عطشان” تلك اللازمة، التي كان يطلقها بائعو السوس، للتعريف بمنتجهم الذي يرافق موائد السوريين طيلة أيام شهر رمضان المبارك.

رائحة السوس في المحلات الباردة، خاصة في أيام الصيف، تزيد من ألق اللوحة الرمضانية في الذاكرة ، فـ “رمضان بلا سوس مو رمضان”. يكمل اللوحة ما يرتديه باعة السوس والذين التزموا حتى فترة قريبة  بلباسهم “المشرول”، والذي يتكون من سروال وصدرية وقميص أبيض، وطربوشهم التقليدي، ويتزينون بترمس مع إبريق نحاسي ذي انبوب طويل يزينونه بالشراشيب المتصلة بسوار معدني، وهناك في الجهة الثانية سوار آخر لوضع الكؤوس الزجاجية التي يسكب فيها السوس البارد، حيث الثلج يوجد في قلب الإبريق الكبير، ينحنون إلى الأمام لتقديم كأس من السوس، أو يبيعونه في محلاتهم في أوعية زجاجية تظهر قتامة لونه، متباهين باللون الأسود كدليل على أنه “تازه”ن وبالقرب منهم ألواحاً من الثلج، مغطاة بكيس من الخيش ليحافظ عليها. يملأ البائع وعاءك بالعرقسوس، ثم يضع قطعة من الثلج ورشة من ماء الزهر، فتتشكل على وجهه دائرة ملونة كسرّ مذاق لا يعرفه إلاّ أهالي المدينة.

حتى وإن كان الجو يميل إلى البرودة فـ “السوس” لا يشرب إلا بارداً، وهو ما يزيد من الكلفة على محبيه، إذ يباع كيس السوس خلال رمضان الحالي في إدلب بنحو (٢٥٠ ليرة للكيس الواحد) دون ثلج، وهو ضعف ما كان يباع فيه في العام الماضي، ناهيك عن سعر قوالب الثلج والتي تضاف إلى السوس بحسب الرغبة والكمية.

 

والسوس نبات معمر من الفصيلة البقولية، يطلق على جذوره “عرق السوس”، وهي التي تستخدم في صناعة الشراب، عُرف في بابل منذ 4000 سنة، ووجدت كمية من جذوره في مقبرة توت عنخ آمون، وهو منتشر في الكثير من البلاد العربية وخاصة في مصر وسوريا. يمتاز بطريقة تحضير سهلة، حيث يُؤتى بالجذور الجافة لتبلل بالماء، وتوضع في الشمس لعدة ساعات، ومن ثم يوضع المنقوع في قطعة قماش، ويضاف عليها الماء بشكل منقط إلى أن يصبح لون السائل أبيض، ومن ثم يتم تركيز الشراب حسب رغبة الشخص، وعادة عندما تحضر الأعشاب الجافة، تطحن وتجهز حتى تختمر، بعدها بيوم يتم صب الماء عليها قليلاً ثم تضاف إليها مادة “كربونة” التي تساعد على الهضم، وعطرة الورد لتعطي رائحة زكية للعرقسوس بعدها تصبح مادة جاهزة للشرب.

وللسوس فوائد طبية كبيرة، تحدث عنها الأطباء منذ القدم، حيث قال ابن سينا عنه في كتابه القانون” إن عصارته تنفع في الجروح، وهو يلين قصبة الرئة، وينقيها، وينفع الرئة والحلق وينقي الصوت، ويسكن العطش، وينفع في التهاب المعدة والأمعاء وحرقة البول”. وينصح بعدم شرب السوس من قبل المرضى الذين يعانون من الضغط والسكري والحوامل والكلى والغدة الدرقية ، لآثاره السلبية عليهم.

تغيب معظم المظاهرالرمضانية عن أحياء إدلب وسكانها، نظراً للظروف الاقتصادية والعسكرية القاسية، إلا أن السوس يتربع دائماً على “الموائد” الرمضانية، يحتل مداخل الحارات الشعبية والشوارع الرئيسية ببراميله الزرقاء وأصوات باعته “شفا وخمير يا عرقسوس”، كل منهم يفخر بانتاجه من السوس وهو يرفع عبر مصب من البرميل السوس عالياً قبل أن يصبه داخل أكياس شفافة ويبيعه للسكان، معلناً بداية الشهر الفضيل.