تحوّل كثير من النازحين حديثاً إلى بناء الخيام الإسمنتية في منطقة الحدود شمال إدلب، إذ تعد هذه الخيام الخيار الأفضل للنازحين من أرياف إدلب الجنوبي وحلب الغربي وذلك بعد أن فقدوا أملهم بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم المدمرة، محاولين بناء مواطن بديلة عن تلك التي سلبهم إياها النظام السوري وحليفته روسيا بعد الحملة الأخيرة.

ترتب منى الحمدو أثاث منزلها الجديد في مخيمات دير حسان إثر نزوحها من مدينتها معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي وسيطرة النظام عليها حالها كحال آلاف السوريين الذين حرمتهم الحرب من بيوتهم وأرزاقهم.

يئست منى من عودتها إلى معرة النعمان، ما دفعها للاستغناء عن خيمتها القماشية، وبناء كتلة إسمنتية ثابتة تقيها وأطفالها ويلات النزوح ومتاعب الخيام.

منى الحمدو  (45عاما) تروي لفوكس حلب معاناتها خلال رحلة نزوحها تقول” استشهد زوجي في غارة للطيران الحربي على مدينة معرة النعمان قبيل احتلالها بأيام فلم يعد لي أي سند، عانيت في فترة نزوحي من التنقل المستمر حيث قضيت أول مراحل نزوحي في مدينة أريحا جنوبي إدلب حتى أصبحت تحت مرمى نيران النظام السوري، ثم انتقلت بعدها إلى مدينة الأتارب بريف حلب قبل أن تتساقط علينا قذائف وصواريخ النظام، فهربت بأطفالي إلى مخيمات دير حسان لنقيم بخيمة قماشية مهترئة”
لا تستطيع منى الاستمرار بدفع أجور المنازل، لاسيما بعد ارتفاع الأجور بشكل كبير بعد حملة التهجير الأخيرة، ما دفعها لبناء خيمة اسمنتية صغيرة، بدلاً من خيمة القماش.

هيكل خيمة اسمنتية قبل سقفها
هيكل خيمة اسمنتية قبل سقفها

من جهته يتحدث الحاج مصطفى الحسن (57عاماً) وهو مهجر من مدينة كفرومة بريف إدلب الجنوبي عن دوافعه لبناء الخيمة الاسمنتية بالقول” بعد أن فقدنا أملنا بالعودة إلى بيوتنا كان لابد لنا من الاستقرار، عملنا على بناء هذه الخيام الإسمنتية أنا وأولادي لنستقر بها بعد رحلة النزوح الشاقة، كنا نأمل بعودة قريبة إلى بلدتنا، ولكن هذا لم يحدث، وبعد تجربة نزوح قاسية ضمن خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة، قررنا الاستقرار في هذا المكان وبناء مجموعة من الكتل الاسمنتية المتلاصقة.

تتميز الخيام الإسمنتية بصلابتها وجودتها مقارنة بالخيام القماشية وتعتبر تكلفتها مناسبة مقارنة بنمط البناء المعروف لدى السوريين. وتبلغ مساحة كل كتلة نحو أربعين متراً مربعاً مبنية من البلوك الصلب ومرصوفة بالإسمنت ومغطاة بغطاء بلاستيكي

” شادر”، وتقارب تكلفة البناء الذي يتألف من غرفتين ومطبخ وحمام نحو أربعمائة دولار، بينما تتراوح أسعار الخيام القماشية ما بين 80 – 120 دولار للخيمة الواحدة.

خيمة اسمنتية جدرانها من القرميد وسقفها عبارة عن شادر
خيمة اسمنتية جدرانها من القرميد وسقفها عبارة عن شادر

تمتد الكتل الاسمنتية على امتداد الجبال المحاذية للحدود السورية التركية وتكتظ بآلاف النازحين الذين بدورهم عمدوا إلى بناء تجمعات سكنية، تحمل أسماء بلدات معينة مثل “مخيم معرة النعمان، مخيم كفر نبل، مخيم كفرومة” وغيرها كثير من القرى التي سيطر عليها نظام الأسد وفقد أهلها أمل العودة لها لتشكل تلك التجمعات أوطاناً بديلة.
يرى بعض من التقيناهم من سكان تلك الكتل إنها أفضل من حياة الخيام بكثير، فهي تمنح صاحبها الاستقلالية الكاملة على عكس الخيام التي تتشارك في دورات المياه وتجري بالقرب منها قنوات الصرف الصحي المكشوفة والتي تجلب الكثير من الأمراض في فصل الصيف، كما تحمي من التغيرات المناخية والرطوبة لأنها مفروشة بالإسمنت.
ويقول خالد الصطوف (أحد البنائين لهذه الكتل) إن هذا النوع من البناء يشهد إقبالاً كبيراً هذه الأيام نتيجة الأوضاع المعيشية السيئة في الخيام، وارتفاع أجور المنازل، وقد أثبتت التجربة نجاعة هذه الكتل خلال السنوات الماضية، الأمر الذي شجع النازحين الجدد على المباشرة ببنائها فوراً أو شراء بناء جاهز، إذ يعمل البعض في بناء مثل هذه الخيام وبيعها لتشكل تجارة جديدة رائجة في الشمال.
شكلت التلال الصخرية المنتشرة على الحدود عاملاً مساعداً لمن يرغب باقتناء مثل هذه الخيام إذ تباع تلك الأراضي بأسعار بخسة أو تمنح بشكل مجاني للنازحين مقابل دفع رسوم مالية مقابل تسهيل الأرض وتمهيدها للبناء.

نايف البيوش