قطاف الزعتر البري -إنترنيت
قطاف الزعتر البري -إنترنيت

تهيم أعداد كبيرة من السكان في العالم في المناطق الجبلية والمرتفعات للبحث عن الزعتر البري أو الأخضر في مثل هذا الوقت من كل عام، يقطفونه ويمونونه في بيوتهم أو يبيعونه في الأسواق، وفي إدلب أصبح مصدر دخل لكثير من العائلات.

ينتشر “مفرح الجبال” كما كان يطلق عليه لرائحته القوية الزكية التي أهلته قديماً ليكون أحد العطور المستخدمة في معابد اليونانيين في مرتفعات منطقة إدلب، خاصة جبلي الزاوية والأربعين، وبات واحداً من المواسم المنتظرة التي تساعد السكان على تأمين قوت يومهم.

تجارة نشطة هذا العام

الأجواء الخالية من القصف إثر توقيع اتفاق وقف إطلاق النار منذ نحو شهر في المنطقة ساهمت في زيادة الطالبين للزعتر البري في إدلب، يقول يوسف مرضعة (15 عاماً) من سكان بلدة مغارة بريف إدلب: “مع حلول فصل الربيع أخرج كل يومٍ منذ ساعات الصباح الباكر مع أخوتي، نحو الأماكن المرتفعة في منطقتنا التي تقع ضمن سلسلة جبل الزاوية، حيث ينمو فيها الزعتر البري بكثافة، لنقوم بجمع أكبر كميةٍ نجدها، نقطع الأغصان الخضراء العلوية فقط ونترك الجزء السفلي، حتى يعود وينمو مرة أخرى، ولا سيما أن منطقتنا تشهد هطولاتٍ مطريةٍ غزيرة، ما يساعد النبتة على النمو مجدداً”.

ويضيف يوسف لفوكس حلب “كل ما صعدنا الى الأعلى تزداد كثافة الزعتر البري، وعندما نجمع كميات جيدة في الأكياس التي بحوزتنا ويصبح الوزن ثقيلاً نعود إلى البيت، حيث نقوم هناك بعملية تنقيته، والتي تتضمن إزالة النباتات الغريبة والأغضان العالقة مع الزعتر، ومن ثم نضعه في أكياسٍ ونذهب به إلى السوق في اليوم التالي لبيعه”.

الزعتر البري -إنترنيت
الزعتر البري -إنترنيت

بدورها قالت أم ياسين الخطيب من سكان بلدة الرامي بجبل الزاوية “أنا أرملة ومعيلة لأطفالي، أبحث دائماً عن أي عملٍ لتأمين مصدر دخل، وفي هذه الفترة (شهري نيسان وأيار) من كل عام، اعتدت الخروج نحو سفوح الجبال لجمع الزعتر البري، حيث أضع أطفالي عند والدتي، وأخرج بحثاً عن مفرح الجبال، الأمر لا يتطلب الكثير من الجهد، لأنها نبتة غضّة تنمو بشكلٍ تشبه إلى حدٍ ما نبتة الحبق”.

وأضافت أم ياسين لفوكس حلب “هذا العام يعتبر فرصةً ذهبيةً لجني المال من بيع الزعتر البري، فمع توقف القصف أستطيع البحث لساعاتٍ طويلةٍ لجمع كمياتٍ أكبر وبيعها، على عكس الأعوام السابقة، حيث كنا نذهب فقط في الأوقات التي يتوقف فيها القصف نظراً لخطورة عملنا، وخاصةَ أنه يتطلب الصعود إلى السفوح المرتفعة، ما يُجعلنا عرضةً لقصف الطيران”.

ارتفعت أسعار الزعتر البري عاماً تلو الآخر، فمع موجة الغلاء الفاحشة التي اجتاحت السوق خلال السنوات الماضية، زاد سعر الزعتر البري، وكان سعره بالأصل قبل بدء الحرب ليس بالرخيص، حيث تراوح سعر الكيلو في 2010 بين (٣٠٠-٥٠٠) ليرة سورية، ليرتفع سعره العام الماضي إلى نحو ١٥٠٠ ليرة، أما هذا العام فقد انخفض سعره إلى 1000 ليرة بسبب توفره بكثرة في الأسواق مع توقف القصف.

وقال إبراهيم قصاص (بائع جوّال): “أشتري نبتة الزعتر البري من الأشخاص الذين يأتونني بها مقطوفةً من الجبال حيث أماكن نموها، وقد أصبحت من المواد الغذائية الهامة في محافظة إدلب، ولا يكاد يخلو أي من أسواق ادلب من وجود عدد من العربات التي تبيع منها، ونقوم ببيع كميات كبيرة على امتداد العام، فقد دخلت المطابخ بشكلٍ قوي”.

وأشار قصاص الى أن “هناك العديد من الأطفال والسيدات الذين لا يُفضلون بيعنا الزعتر البري، بل يجلسون على قارعة الطريق ويبيعونه بأنفسهم ضمن أكياس كبيرة، وذلك لجني ربح أكبر”.

مونة في البيوت

يشتري أهالي إدلب كميات كبيرة من الزعتر خلال فترة موسمه في الربيع، إذ يدخل ضمن قائمة المونة، فبعض السيدات تضعه في أكياس ضمن الثلاجة، أو ضمن مرطبانات مغمورة بزيت الزيتون.

تقول السيدة أم عبدو دعدوع من أهالي مدينة ادلب “مع ارتفاع سعر الزعتر البري خلال العام الماضي (1500 ليرة للكيلو)، اضطررت لشراء كميات قليلة، ولم يكن لديّ القدرة سوى لتموين كيس أو كيسين صغيرين، رغم أني في أيام حملي كثيراً ما أتوحم عليه في حال لم يكن موجوداً، أما هذا العام أفكر في زيادة الكمية منه للمونة”.

سلطة الزعتر البري -إنترنيت
سلطة الزعتر البري -إنترنيت

وتدخل هذه النبتة في عددٍ من الوجبات والأكلات، فتستخدم بالدرجة الأولى مع “السلطة”، حيث تعطيها نكهةً مميزة نظراً لرائحتها الشهية التي تتمتع بها، والتي يستطيع أي شخص تمييزها نظراً لقوتها.

وحول طريقة تحضير سلطة الزعتر قالت السيدة أم عبدو “هي وجبة مفضّلة لدى أهالي إدلب خاصةً على الفطور إلى جانب الشاي، وتتضمن الزعتر المفروم مع البصل والجبنة إضافةً الى القليل من عصير الليمون، يضيف لها البعض القليل من البندورة والرمان”.

كما تُصنع فطائر خاصة تعرف بفطائر “الزعتر البري” والتي تضع معها الجبنة أيضاً، كذلك تقوم ربات المنازل بتجفيف هذه النبتة ومن ثم طحنها حتى تصبح ناعمة، فقسم يُضاف إلى “الزعتر اليابس” الذي يتناول على الفطور فيعطيه أيضاً نكهةً رائعةً، وقسم آخر يُستخدم كبهار.

“طلع من الزعتر مساس”

يُعرف الزعتر البري بقصر طوله، والذي لا يتعدى 30 سم، ونادراً ما تجد نبتة طويلة منه، وفي حال وُجدت نبتة طويلة يُطلق عليها مساس، ومنها ظهر مثل شعبي متداول في إدلب، يقول “طلع من الزعتر مساس”، والذي يُطلق لوصف شخص يحمل صفة مميزة متفردة عن الآخرين.

أوراق الزعتر بيضوية لها ذيل قصير ولونها أخضر مائل للرمادي ورائحتها عطرية، ولا يقتصر استخدام الزعتر البري على الأطعمة فقط، بل يُستخدم كدواء أيضاً، يقول  مصعب الحسين الذي يعمل في مجال الطب العربي: “ابحث عن الزعتر البري في الجبال، أو اشتريه من الأطفال في السوق، حيث استخلص منه الزيوت التي تستخدم في دهن الصدر قبل النوم، أو يمكن غلي النبتة وهي خضراء ومن ثم يُصفى ماؤها ويستخدم كعلاج لبعض الأمراض”.

وأضاف مصعب “يعتبر الزعتر البري دواء فعّالاً لعلاج السعال الديكي والالتهابات الرئوية والربو والشقيقة والبلغم، كذلك يعد من أهم الأعشاب التي تحارب فيروسات الجهاز التنفسي وتقوي مناعته، وبالتالي تساعد في مقاومة الكورونا”.

وتشير دراسات طبية، الى أن الزعتر البري يعمل بمثابة مهدئ لضيق الصدر عند الكبار والصغار على حد سواء، ويُخفف المغص وتشنج الأمعاء والنفخة والسعال، ويساعد الجسم على التعرق في حالات ارتفاع الحرارة، كما يعالج الأوجاع والآلام خصوصاً آلام الفقرات (الديسك والروماتيزم)، إضافةً الى دوره في تنشيط الدورة الدموية، ويستعمل كعلاج لمرضى السكري.