تتصدر أسماء المدن والبلدات السورية واجهات المحال التجارية في محافظة إدلب، وتشكل مع بعضها البعض مزجاً يعزوه بعضهم للحنين والذاكرة، فيما يرى آخرون إنه وسيلة لجذب الانتباه وسكان هذه المناطق من المهجرين والسكان الذين ارتبطت عندهم هذه المدن بمذاق وشهرة معينة، كحلاوة جبن حماة وكبة حلب وموالح مورك وخان شيخون ونابلسية دمشق..

يكفي أن تمر في واحد من شوارع إدلب أو أسواقها لتطالعك عشرات “القارمات” التي تحملك على تذكر كثير من المدن الغائبة، والتي هجر سكانها وباتت حديثهم اليومي وأسماء أولادهم ومحلاتهم التجارية، كذلك أضافها بعضهم لكنيته كلازمة تؤكد على أحقيتهم بهما طال الزمن أو قصر.

اسمٌ وكنية المدينة أكثر ما تشاهده على واجهات المحال باختلاف أنواعها، بعد أن نقل المهجرون خبرتهم وأعمالهم إلى المناطق الجديدة التي وفدوا إليها، بعضهم اختار اسم المدينة فقط، آخرون أضافوا ياء النسبة إلى الأسماء “النابلسية الدمشقية، أفوكادو الحموي، ميني ماركت الحلبي، صيدلية الغوطاني، مكسرات مورك، ألبسة خان شيخون، مغطوطة الحمصي، كفروما للصرافة، بقالية أبو محمد الشامي..”.

تغلب على التسمية حالة من حنين أصحاب المحلات لمدنهم، إلا أن بعضهم وجد فيها وسيلة للإعلان والتسويق وجذب انتباه السكان، سواء من أهل مدينتهم أو أولئك الذين يذكرون شهرة واحدةٍ من المناطق بأصناف معينة من المأكولات والحلويات والتي ارتبطت بها وأصبحت كعلامة تجارية، يقول شعلان الحموي “صاحب محل حلويات في إدلب” إن زبائنه يكثرون من مدح حلاوة الجبن الحموية وغيرها من الحلويات التي ينتجها، ويرى أن  اقتران اسم محله بمدينة حماة التي تشتهر بصناعة هذا النوع من الحلويات كان له دور كبير في جذب الزبائن، إضافة لأبناء حماة الذين يبحثون عن محل يصنع الحلويات بالطريقة التي اعتادوا عليها، لتنتعش ذكرياتهم بشيء من عبق الماضي مع دخولهم لمحل شعلان.

باتت بعض هذه المحلات ملتقى لأبناء المنطقة الواحدة، يجدون فيها ضالتهم بالسؤال عن حال شخص أو الاجتماع به، دقائق قليلة يمضيها أبناء بلدة كفرومه في محل الصرافة الذي يحمل اسمها تجمعك بعشرات أبناء البلدة الذين يقصدون صاحب المكتب “أبو صهيب” لتبادل الحوالات وصرافة أموالهم، والأهم من ذلك لمعرفة أخبار بعضهم والاطمئنان عن أحوالهم. يقول أبو صهيب إنه يشعر بالألفة والمحبة خلال ساعات عمله، ويعتبر أن اسم محله جلب له المزيد من الزبائن رغم وجود عشرات المحال المشابهة في المدينة.

تلك الأسماء لفتت أنظار السكان إلى المدن السورية، ومكنتهم من استحضار ما تشتهر به كل مدينة وقرية ليتعرفوا على الطعوم التي سمعوا بها سابقاً دون أن يتذوقوها، تصف حنين (وافدة إلى مدينة إدلب) خروجها للتسوق بـ “الرحلة الممتعة في مختلف المحافظات السورية؛، ففي شارع واحد بإمكانها أن تشتري من ملابس إدلب وتأكل من مطاعم حلب وتتذوق الحلويات الحموية والبوظة والعصائر الشامية، تقول “كل ذلك يشعرني بسعادة تنسيني لفترة محددة إنني مهجرة كأصحاب المحال، وكل ما يجول في خاطري أن صاحب المحل ينتمي للمنطقة التي كتب اسمها على اللافتة. وترى “حنين” أن اقتران اسم المنطقة باسم المحل يسهل عليها اختيار المحل المناسب.

 

لا تقتصر هذه التسميات على المحلات التجارية، إذ تطالعك كثير منها على سيارات الإكسبريس وبراكات التوتياء والخيام التي تحولت إلى مهن أو أماكن لبيع المنتجات، فالجميع يترك اسم مدينته كهوية تعريفية في المكان، يقول من تحدثنا معهم إن أول ما يخطر في بالهم خلال بحثهم عن اسم “الأماكن التي قدموا منها”، وهو ما دفع أبو مازن لتسمية (محل قهوة الاكسبريس= اسبريسو) خاصته بـ “اكسبريس خان شيخون” على الطريق الواصل بين إدلب وسرمدا، بجانبه تتوزع أعداد كبيرة من المحلات الصغيرة المصنوعة من ألواح التوتياء أو البلوك والمسقوفة بشوادر الخيام تحمل أسماء لمدن وبلدات أخرى وتدل على مهن مختلفة، بحسب قوله.

يرتدي أبو مازن لباساً خاصاً بعمله، كتب عليه أيضاً اسم خان شيخون، يقول إن تصدر اسم مدينته لمكان عمله ولباسه “يحيي اسم المدينة في مخيلة العابرين للطريق، ويجذب أبناء مدينته لزيارته واستعادة أحداث وحكايات الماضي”، وهو ما يكمل صورة المدينة ويخفف من وطأة الحياة عليه.
“مغسلة الخان، ورشة معرة النعمان ومطعم الريحاوي..” كلها أسماء لمهن أطلقها أصحابها على محالهم، ليبقى اسم مدنهم حاضراً معهم كل تفاصيل الحياة. يقول أبو علي السرماني صاحب مغسلة الخان إن حنينه لأرضه وبيته دفعه لتسمية محله بهذا الاسم، “صحيح تهجرنا من أرضنا، بس لساها عايشة معنا كل التفاصيل واسمها مصدر رزقنا”.

ليست ظاهرة استعادة اسم المدن الغائبة على واجهات المحال التجارية جديدة، إذ كانت سمة لمعظم المحلات التي يمتلكها “الفلسطينيون” المهجرون في معظم بلدان العالم، كذلك غدت سمة لمحلات ومطاعم للسوريين في بلدان اللجوء بأسمائها وعلاماتها التجارية أملاً في الحفاظ على الذاكرة والطعم والعودة.