قوافل لمساعدات إنسانية إلى الشمال السوري -إنترنيت
قوافل لمساعدات إنسانية إلى الشمال السوري -إنترنيت

شكلت المساعدات الغذائية المقدمة من المنظمات الإنسانية للمناطق المنكوبة في إدلب، مصدراً تموينياً هاماً ومورداً مالياً قابلاً للتجديد بشكل شهري، إذ يعمد الكثير من المستفيدين لبيعها أو استبدالها بأشياء قد تبدوا أكثر قيمة لهم.
سنوات الحرب وما تبعها من انعكاسات على المجتمع السوري من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، ساهمت في تغيير مفهوم تلك المساعدات لتتحول من وسيلة لتجاوز صعاب الحياة، إلى غاية منشودة يبحث عنها بعض الناس متنقلين بين المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية للتسجيل في أكثر من مكان ما يمنحهم مساعدات مضاعفة.

يقف سكان مخيم النهضة بطابور طويل أمام سيارة محملة بالمساعدات التي ينتظروها، يقول أبو محمد إنه سيبيع سلته الغذائية ليسدد ديون “صاحب الدكان” التي تراكمت عليه منذ أول الشهر، فقد اتفق مع صاحب المحل على شراء الخضار والتبغ على أن يسدده ثمنها عند بيع السلة الشهرية.
عملَ أبو محمد بمهنة “الدهان” لسنوات طويلة، لكنه فقد عمله بعد نزوحه من مدينته خان شيخون، ويبرر سبب انتظاره لتلك المساعدات “من لما جيت ع المخيم ما ضربت فرشاية، من وين بدنا نعيش” في كناية لاستحالة العمل بمهنته في هذا المخيم .

تنوعت أشكال المساعدات الإنسانية الممنوحة للمتضررين في مناطق المعارضة “سلل غذائية، نظافة، مواد تدفئة، مساعدات مالية..” ويرغب غالبية من التقيناهم من المستفيدين بتحويل تلك المساعدات لمبالغ مالية تسلم بشكل مباشر لصاحبها، ما يحميهم من استغلال التجار الذين يشترون تلك المساعدات بأسعار أقل من قيمتها بكثير، لعلمهم بحاجة أصحابها لبيعها، لسد ديون متراكمة أو شراء أشياء أكثر أولوية.

من ناحية أخرى يرى آخرون أن تلك المساعدات رغم أهميتها إلا أنها لعبت دوراً سلبياً، وساهمت بنشر البطالة بطريقة غير مباشرة، نتيجة اعتماد الناس عليها، وتكاسلهم في البحث عن فرصة عمل أخرى.

يقول أبو خالد “صاحب معمل بلوك” : في حملة النزوح الأخيرة نقلت معملي إلى منطقة حدودية واحتجت لشبان لمساعدتي  وبعد عجزي في العثور على الراغبين في العمل، قمت بنشر إعلان على شبكات التواصل الاجتماعي.
لم يتوقع أبو خالد أن يكون العثور على شباب للعمل في منطقة المخيمات أمراً صعباً، لكن جهل الكثير منهم بهذه المهنة صعب الأمر عليه.
من ناحية أخرى يرى سامر أن انخفاض أجور العمال تدفع بعض الشباب لرفض العمل إن وجد “ما الذي يدفع الشاب للعمل لمدة شهر كامل مقابل 30 ألف ليرة سورية، إذا كانت سلة الإغاثة ستؤمن له مبلغاً قريباً من هذا الأجر دون أدنى تعب؟”

من ناحية أخرى ساهمت سلل الإغاثة بنشوء خلافات متكررة بين بعض الناس والمسؤولين عن تقديم الأسماء للمنظمات، نتيجة اتهام المسؤولين بالتقصير المستمر ناهيك عن اتهام بعضهم بالتحيّز لعوائل دون أخرى، الأمر الذي أحدث شرخاً اجتماعياً في بعض القرى والبلدات وحول القرية إلى أحلاف وتكتلات.
يقول مصطفى المحمد “ناشط إنساني” إن المنظمات الإنسانية تعمل ضمن معايير محددة ومساعداتها تقتصر على شرائح محددة، إذ لا يمكنها تغطية الجميع، الأمر الذي يضعنا موضع شك في كثير من الأحيان، ومن حق الناس أن تتساءل عند حرمانها من إحدى المساعدات لعدم دخولها ضمن المعايير التي حددتها المنظمة، بعضهم يتفهم طبيعة عمل المنظمات لكن كثيراً منهم يتهموك بالتقصير أو التلاعب بالأسماء المطروحة لأغراض شخصية”.
من جانبه يقول عبد الرحمن اليحيى “مدير منظمة سداد” : إن تأخر المنظمات الإنسانية في خلق سوق عمل للمستفيدين، ساهم بخلق حالة من الاتكالية لدى بعض الناس، ولو ركزت المنظمات على المشاريع التنموية لكان واقعنا الاجتماعي والمادي أفضل بكثير”.
لا ينكر اليحيى الدور الإيجابي الذي لعبته المساعدات الإنسانية بشكل واضح، في حملات الاستجابة الطارئة التي رافقت حركة النزوح. لكن، وبرأيه إنه وبعد استقرار الناس يجب أن تتحول تلك المساعدات لمشاريع تنموية تساهم في خلق فرص عمل لتستوعب أكبر عدد من الناس.
حيث يرى اليحيى أن المساعدات الإنسانية في حالة الاستقرار لعبت دوراً سلبياً أكبر بكثير من دورها الإيجابي، إذ باتت تلك المساعدات غاية بحد ذاتها، ويعمد البعض للتزوير أو الغش أو غيرها من الأساليب الملتوية للحصول على أكثر من سلة، ما قد يحرم مستفيداً محتاجاً من حقه.
بينما يرى ماهر حاج أحمد ” ناشط إنساني في مؤسسة إحسان” أن إيجابيات المساعدات الإنسانية تطغى بشكل كبير على سلبياتها، و80% من الناس تراها مصدر دخل في وقت انعدمت فيه سبل المعيشة، ولاسيما عند الذين خسروا منازلهم وأعمالهم في حملات التهجير الأخيرة.
وينفي ماهر أن تكون تلك المساعدات قد صنعت نوعاً من الاتكالية أو الكسل عند الناس، فالمساعدات التي تقدم ضعيفة ولا يمكن أن تكفي العائلة، فكيف يتكل الناس على شيء لا يكفيهم أساساً؟ من ناحية أخرى كثير من المنظمات توزع مساعداتها لمرة واحدة فقط أو مرة كل شهرين أو ثلاثة.
يؤكد ماهر أن إقامة المشاريع الإنتاجية هي الحل الأفضل لتغيير واقع المهجرين بشكل حقيقي، وقد نفذت مؤسسة إحسان عدة مشاريع في ريف إدلب الجنوبي مثل مشاغل الخياطة ومحلات السمانة ومشاريع تربية الحيوانات، ولاقت نجاحاً مميزاً يومها.

من جهتها ترى راما السالم:” أن المساعدات الغذائية ضرورية ومفيدة، إلا أنها كالمهدئات، تفيد لكن لوقت محدود وتترك آثاراها الجانبية على المجتمع، وأفضل أن تتحول تلك المساعدات لمشاريع تنموية تساعد الناس في الاعتماد على أنفسهم.

نفذت بعض المنظمات الإنسانية العديد من المشاريع التنموية، بهدف النهوض بالمجتمع وتأمين مشاريع صغيرة تكون كفيلة بإيجاد دخل جيد للمستفيد من المشروع والعاملين معه، عبر تعليمهم حرفة ما، ومساعدتهم في تسويق منتجاتهم، أو عن طريق تقديم مساعدات مالية تمكنهم من الانطلاق بأحد الأعمال.

مثل برنامج “تمكين شباب عاطلة عن العمل” المجاني. المقدم من قبل أكاديمية آفاق في مدينة أطمة بريف إدلب الشمالي. إذ تقدم آفاق أربع دبلومات مهنية مدة كل تدريب ثلاثة أشهر يمر بأربع مراحل، تعطي المتدربين معلومات عن محركات الاحتراق الداخلي وأنظمة نقل الحركة، التحكم الميكانيكي والأتمتة الصناعية، والرسم الصناعي وتشكيل المعادن، والإلكترونيك وصيانة الحاسوب والموبايل، ويستقطب كل دبلوم نحو عشرين متدرباً.
يقول محمد إن هذا التدريب ساعده في الحصول على مهنة وقام بافتتاح محل صغير ضمن منزله، وبدأ العمل بصيانة الأجهزة المحمولة والحواسيب لتشكل تلك المهنة دخلاً جيداً يعيش منه.

كما عملت “رابطة المرأة المتعلمة” على تعليم مجموعة من النساء مهناً مختلفة مثل التطريز والأشغال اليدوية وإعادة التدوير، وتمكنت تلك النسوة من اتقان إحدى المهن واليوم يستفدن من عملهم في الإنفاق على عوائلهم.
يختلف أكثر من التقيناهم حول الدور الإيجابي أو السلبي الذي تلعبه المساعدات الإنسانية لكن يتفق الجميع على ضرورة العثور على حلول بديلة تمكن الناس من الاعتماد على نفسها وإدخالها سوق العمل، ما يضمن وجود دخل مادي ثابت، يمكنهم من الاستمرار بالحياة بشكل طبيعي في حال توقف عمل المنظمات الإنسانية والتي بدأت تعاني فعلاً من شح المصادر الدولية.

المادة السابقةالمناهج الإيرانية تغزو سوريا
المادة التاليةأطفال إدلب واضطرابات ما بعد الصدمة
إعلامية وكاتبة سورية مستقلة وناشطة اجتماعية، مواليد ريف إدلب 1996، حاصلة على اجازة في الأدب الانجليزي.