تتفاقم مشكلة الملكيات الفكرية في الداخل السوري، خاصة في مناطق المعارضة، مع غياب الجهات الرقابية، ويتعرض بعض الكتاب والإعلاميين لإهمال وضع أسمائهم على المحتوى الذي يقدمونه لصالح أشخاص أو مؤسسات، يقول من التقيناهم إن المطالبة بحقوقهم الفكرية يعرضهم للفصل من العمل، وإن جميع الوعود التي قدمت لهم لم تنفذ، خاصة مع عدم وجود عقود تضمن حقهم، وإن هذا الأمر ارتفع بسبب عدم خضوع المناطق التي يعملون بها لأي قوانين ضامنة، ووجود المؤسسات الأم في أماكن خارج سوريا وهو ما يصعب المهمة في مقاضاتهم.

وسنتناول في هذا التحقيق قضية الكاتبة والناشطة السورية “هديل الحموي” و “رابطة الكرامة والحرية للمعتقلين والمفقودين” والتي انتشرت في الأسابيع الماضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين أخذ ورد، ونشر كل من طرفي القضية لكتاب بمحتوى واحد يحمل اسمه دون ذكر للطرف الآخر، والاتهامات المتبادلة بينهما.

القصة من البداية

في الحادي عشر من شهر آذار الحالي وجهت “هديل الحموي” اتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمدير “رابطة الكرامة والحرية للمعتقلين والمفقودين” بإغفال اسمها عن الكتاب الذي قالت إنها قامت بإعداده وإجراء المقابلات التي يتضمنها وكتابتها، والذي حمل عنوان “يوميات معتقل في سجون الأسد” وتم الإعلان عنه في التاسع من آذار.

والرابطة بحسب ما تعرف نفسها هي “منظمة غير حكومية تسعى لمعرفة مصير المعتقلين لدى النظام عن طريق المنظمات ذات الشأن، وبكل الطرق المتاحة”، وكانت هديل تشغل منصب مدير الرابطة في محافظة إدلب قبل نشر الكتاب، وعملت خلال هذه الفترة على إجراء المقابلات مع الناجين لتوثيق قصصهم وعرضها على وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوتهم ومعاناتهم.

ما الذي حدث

تقول الحموي إنها طرحت فكرة تأليف كتاب عن قصص الناجين ضمن سلسلة من الحلقات على مدير الرابطة، يتضمن معاناتهم داخل المعتقلات، شريطة أن يحمل الكتاب “اسمها”، وتم الاتفاق على ذلك بحسب الحموي التي أضافت أن الرابطة أرسلت لها النسخة التجريبية من تصميم الكتاب ويحمل اسمها، وقامت بتزويدنا بالصورة، وتم الاتفاق معها لحضور حفل توقيع الكتاب، وقدمت لنا تسجيلات صوتية مع مدير الرابطة تثبت كلامها، لتتفاجأ بالإعلان عن الكتاب بغلاف جديد، غير الذي تم الاتفاق معها عليه، ونسب الكتاب للرابطة دون ذكر اسمها على غلافه أو الإشارة لها.

وفي لقائنا مع هديل الحموي قالت لفوكس حلب إنها وبعد إنهائها من كتابة وتحرير نحو ثلاثة عشر قصة طلب منها مدير الرابطة “سعيد الشيخ سعيد” المعروف باسم “أبو إبراهيم” إرسال الملفات لمسؤول المطبعة “محمد دبيس” للبدء بطباعة الكتاب، مؤكدة أنها اتفقت مع الطرفين على وضع اسمها على الكتاب، وقاما بإرسال نسخة تجريبية لها من الكتاب قبل طباعته. ليتم بعدها الإعلان عن الكتاب بالنسخة الجديدة دون ذكر اسمها أو الإشارة إلى عملها.

وهديل الحموي ناشطة من ريف حماة الغربي عملت في المجال الإعلامي بداية عام 2012م على مواقع التواصل الاجتماعي وأيضاً مراسلة ومحررة مع مركز “عاصي برس”، كما أنها عملت مع “منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وفي بداية شهر أيلول من العام الماضي عملت كمتطوعة في رابطة الحرية والكرامة كمديرة للمكتب الإعلامي للرابطة بالداخل السوري، وبصفتها الإعلامية الوحيدة كانت تدير نشاطات الصفحة الرسمية لموقع الرابطة على مواقع التواصل الاجتماعي، من كتابة وتوثيق لقصص المعتقلين، كما أنها أعدت برنامج “ناجون من الموت” وهو عبارة عن لقاءات مع معتقلين سابقين للحديث عن ظروف اعتقالهم وحياتهم داخل السجن وخارجه، ومن هنا جاءت فكرة توثيق قصص معاناة المعتقلين ضمن كتاب، بعد موافقة الرابطة على فكرة الحموي بدأت بالفعل بالتواصل مع العديد من المعتقلين الناجين وتوثيق قصصهم ضمن ملفات على كمبيوترها الشخصي.

الرابطة تنفي

أصدرت الرابطة بياناً على موقعها الالكتروني قلل من أهمية ما قامت به هديل، وبأن الرابطة هي من قامت بتنسيق وإعداد الكتاب بمساعدة المشرف محمد دبيس، واتهم البيان هديل بـ “استغلال اسم الرابطة ونسب الكتاب لها”، كما ادعى البيان قيام الكاتبة باستغلالهم مادياً وطلبها لمبالغ مالية بديلاً عن حضورها لحفل توقيع الكتاب، مؤكداً أن الكتاب هو جهد جماعي لأعضاء الرابطة وليس لعضو فيها.

ترد هديل على البيان بقولها لفوكس حلب إن جهد أعضاء الرابطة انحصر بمساهمة بعض الأعضاء برواية قصصهم كمعتقلين سابقين، وزودتنا بتسجيلات صوتية تمت بينها وبين مدير الرابطة توضح صحة أقوالها، وطلبه منها تزويده بهويتها الصحفية لتأمين دخولها إلى الأراضي التركية لحضور حفل التوقيع، وضمان حقوقها الفكرية في الكتاب، كذلك محمد الدبيس الذي قال في تسجيل صوتي لهديل إن النسخة ستحمل اسمها ككاتبة، واسمه كمصمم للغلاف فقط.

ويذكر مدير الرابطة في التسجيلات الصوتية بأنه لا يمكن تجاهل اسم هديل وتضييع حقها، وطلب منها إرسال موافقة خطية بتفويضها لهم حتى يطبع الكتاب باسم “ناجون من الموت” تسرد من خلاله قصص ومعاناة كل معتقل منذ اعتقاله حتى خروجه، والتعذيب الذي تعرض له ونشرت الحلقات المصورة ببرنامج “يوميات معتقل داخل سجن النظام” استضافت فيها نحو 13معتقل كل حلقة تحكي قصة جديدة عن معاناة المعتقلين، وذكر في الكتاب حوالي 43 قصة عن المعتقلين الذين استضافتهم وأصدقائهم في المعتقل ويضم الكتاب حوالي 133صفحة.

وبسؤالنا لمدير رابطة الحرية والكرامة للمعتقلين والمفقودين “سعيد الشيخ سعيد” قال إنه أرسل لهديل الحموي غلاف الكتاب وعليه اسمها لكن من أجل تشجيعها على العمل! ولكنه لن يكون الغلاف النهائي، وذكر أن الفيديو الذي عرض تسجيلاته الصوتية كإثبات لهديل غير مكتمل لأنها بمساعدة أصدقائها الإعلاميين قامت بتطبيقه. ولم نستطع التحقق من التسجيلات الصوتية التي قدمتها لنا الكاتبة هديل إلا أن سير الحديث وعدم انقطاعه يوحي بعدم وجود تلاعب في هذه التسجيلات.

وإن الاتفاق تم على أن يكون العمل طوعي، والمؤلفون هم المعتقلون أنفسهم ولا يحق لها أن تكون صاحبة الكتاب بمجرد جمعها للقصص، متسائلاً عن السبب وراء عدم تواصها معه مدة خمسة أشهر أي إلى اللحظة التي أعلن فيها عن حفل توقيع الكتاب؟

وأكد أنها طلبت منه التكلفة المالية بقيمة ألفي دولار للسفر إلى تركيا بدلاً عن حضورها الحفل، وهو سبب الخلاف بوجهة نظره واصفاً هديل بـ “المادية”، خاصة مع معرفتها بأن نفقات الرابطة تأتي من أعضاء الرابطة وليس هناك أي جهة تقوم بتمويلها.

وأضاف أن القصص في الكتاب جمعت من قبله شخصياً إضافة لمحمد دبيس والدكتورة نائلة والدكتور رائد شعبو وعز الدين الشيخ الذي أرسل قصته عبر الصفحة منذ نحو عام، أما عن القصص التي كتبتها هديل فقد قدمت الرابطة لها أرقام تواصل المعتقلين لجمع قصصهم مؤكداً أن الغاية نشر الكتاب باسم الرابطة منذ البداية، ولو كانت غايته غير ذلك لنشر الكتاب باسمه ولأن هديل تعمل لصالح الرابطة فحقوق النشر للرابطة فقط، وبالرغم من عملها الجاد إلا أنه لا يحق لها نسبة الكتاب لها لمجرد جمعها للقصص، فالمؤلف هو المعتقل وليس أي أحد آخر. ولم يجب مدير الرابطة عن سؤالنا فيما إن كان يرغب بإقحام القضاء في المسألة.

 أحد أعضاء الرابطة يقول

بحديثنا مع الناشط الإعلامي الحقوقي وأحد أعضاء الرابطة “خالد كيال” قال إنه كان صلة الوصل بين هديل ومدير الرابطة منذ البداية، وإنها كانت تطلعه على أعمالها وأفكارها في كل مرة، إلا أنه توقف عن العمل في الرابطة منذ شهرين بسبب حالته المرضية التي أجبرته على السفر للعلاج.

يروي “الكيال” إنه كان على اطلاع كامل بكل ما يخص الكتاب، مؤكداً كلام هديل، واصفا وعود سعيد بـ “الواهية”، موضحاً أن الخلاف القائم تسبب بفصل هديل من الرابطة واتهامها بسرقة صفحة الفيس بوك الخاصة بالرابطة، إلا أنه على علم واطلاع من قبل هديل برغبتها بتطوير اللوغو الخاص وتحسين آلية النشر في الصفحة.

أحد أبطال الكتاب يؤكد

يقول “زكريا صطيف” وهو معتقل سابق أمضى ست سنوات في معتقلات النظام وتم الإفراج عنه في تشرين الأول من العام ٢٠١٩، إن هديل هي من تواصلت معه، وإنه روى لها تفاصيل اعتقاله والظروف التي مرت بها والانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون، مؤكداً أن الهدف كان إيصال صوتهم إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لمساندة قضيتهم، خاصة من الذين لم يتم الإفراج عنهم حتى اللحظة.

ويرفض صطيف استغلال قضيته وقضية المعتقلين في أي تجارة ربحية، واصفاً ما فعله “سعيد” بـ “الامتهان” وتحويل قضيتهم الإنسانية إلى تجارة ربحية ومصالح شخصية، على حد قوله.

الرأي القانوني

المحامي الاستاذ “عبد الناصر الحوشان” تحدث لفوكس حلب عن قانون الملكية الفكرية في المحاكم القضائية، وكيف يتعامل مع هذه القضية بحال أثبتت السرقة الفكرية من قبل أحد الأشخاص يقول إن “حماية الملكية تعني حفظ حقوق الكاتب أو صاحب الإبداع من السرقة والتزييف أو النقل والطبع دون إذن صاحبه، وتكون الحماية من جهتين: حماية جزائية بعقوبات مختلفة من سجن وتقديم اعتذار ودفع تعويض عبارة عن غرامة مالية، وحماية مدنية عبر إعادة تسجيل الملكية الفكرية باسم صاحبها الحقيقي وفق قانون حماية الملكية الفكرية رقم 62 لعام 2014. والملكية الفكرية هي الإبداعات الثقافية أو العلمية أو أي إبداع آخر ومنها الكتابة والتوثيق وغيرها من الأعمال”.

ألغي حفل توقيع الكتاب الذي أعلنت عنه الرابطة والذي كان مقرراً في ولاية هاتاي التركية، بعد قيام هديل بنشر نسخة الكترونية من الكتاب بعنوان “ناجون من الموت” يحمل اسمها، وتواصلها مع الجالية السورية في هاتاي ما أدى إلى امتناعهم عن رعاية الحفل، وما تزال الحموي تكمل خطواتها في استعادة ما وصفته بـ “حقها” من خلال رفع الدعاوى القضائية ضد مدير الرابطة ومسؤول المطبعة.

فاطمة حج موسى -منيرة بالوش