على الطريق بين أريحا ودمشق نصب عدد من الشبان خيامهم، حملوا علم الثورة، غنوا وهتفوا صباح هذا اليوم، للحرية للكرامة ولقيم أخرى تجذرت فيهم وصبغت حياتهم اليومية، في المقابل كانت صور أخرى تملأ المكان على بعد كيلو مترات قليلة، هاجسها الخوف والتبرؤ من فعل القيم تلك، قدسوا فيها قائدهم الأبدي وانتصاراتهم المزعومة تحت وطأة البوط العسكري الذي سعوا لتقبيله دون أن يسحب جندي قدمه احتراماً لانحنائهم.

الثورة اعتياد، ذلك الإيحاء الأول الذي يصلك صباح كل يوم وأنت تفتش بين صفحات الفيس بوك. من السهل جداً الفرز هنا، إذ لم تعد هناك رمادية مقلقة بعد كل هذه السنوات، كل وجد هدفه وضالته، الفارق هنا بين التهنئة بعيدها التاسع والسخرية من وجودها هو المفردات الغنية المليئة بالروح والعاطفة عند مرتكبي فعل الثورة، والضيقة الممجوجة في الطرف المقابل. لا يمكن المقارنة بحال من الأحوال لأن الثورة لا يمكن أن تنقل بالعدوى أو الوراثة، ذاك ديدن اعتاد عليه الحكام وقطيعهم، كيف يمكن أن تشرح لأحدهم استيقاظك باكراً دون أن تردد الشعار، أن تمشي في الشوارع المهترئة دون أن تطالعك صور القائد، والأهم من ذلك أن تنام كاملاً وبعمق دون أن تزعجك أخبار الثامنة والنصف، وبرنامج غداً نلتقي وكأن لا فكاك لك من هذا المكان، سنراك غداً في كل الأحوال والظروف ونعيد عليك ما يجب أن تكونه.

الثورة أن تعيش بين زمنين وحياتين مهما التصقا بالوقت غير أنهما يتعاكسان في القيمة والأخلاق، الثورة أن تبدأ يومك حراً، تستيقظ كعاشق، تنسى أن تشرب قهوتك الصباحية وتستبدل فيروزك بما يهز قلبك من أغاني الساروت وسميح شقير والقاشوش. أن تستبدل “خبطة قدمكم” بـ “حانن للحرية” إن أردت، أو أن تسمع فيروز للمرة الأولى كما تشتهي أنت لا كما يفرض عليك، دون أن يخرج أحدهم رأسه ليستنكر “معقول في حدا ما بيحب فيروز!”.

الثورة لا تنتظر من يربت على كتف أبنائها، أن يخبرهم أن الطريق الذي اختاروه كان صحياً وصحيحاً، ذلك أنها تشبه الولادة والموت، خيار مليء بالحزن والفرح، الانكسارات والنصر، الخوف والقوة، وبعد كل ذلك هي خزان ذاكرة مشتهى ليس عليك في كل مرة أن تثبت فيه ولاءك “للأخ الأكبر”، وأن تكون حياتك تحت أعين “الرقباء” بما تعنيه الكلمة من مخبرين ورتبة عسكرية ورفاق درب ينتظرون نهشك.

الثورة خوف الطغاة من صوت الحياة على بعد أمتار من قصورهم، دائماً ما كانوا يواجهونه بالموت، يزيفون تاريخه، يحرقون أفكاره، يعتقلون أو يقتلون صراخه، إلا أنهم وفي قرارة أنفسهم يعرفون أنك انتصرت منذ الصرخة البكر. لا فارق بعدها إن كان ذاك الانتصار على مساحة وطن أو في جزء صغير من قلبك وحدك، حين تشعر بنفسك خفيفاً تحملك الرياح دون أن تخشى السقوط.

الثورة ليست ضد شخص، هي من أجل بناء وطن، يكون بطهر بداياتها، في الطريق علينا أن نفلتر كل شوائبها، حتى إن لم يحدث ذلك، فتلك خطوة ستأتي لا محالة، ذلك أن لكل ظلم نهاية، وأن الأرض لا تأكل أجساد أبنائها الشهداء.

الثورة ليست نزلة برد أو حمى تعالجها بخافضات الحرارة، هي مرض يتملك روحك، وتحاول الاختباء فيه، تشعر بوجوده ككأس بابونج ساخن في صباحات أمك، استناد والدك على كتفك ليخفي تقوس ظهره، نظرة امتنان لطفل يمد يده الصغيرة ليداعب وجهك المتعب.

في الطريق مشاهد لثورة لم تكتمل فصولها بعد، يأس وإحباط مرسوم على الجباه، سراق الثورات، تنظير وتنظير، روايات اكتملت وأخرى في الطريق، غرف وأخبار للمعاناة، أحزاب ودين وقوميات، رجال عاجزون وخيام مهترئة ومدافئ مطفأة، ونساء تلملم ضعفها أمام أطفالها، حدود وطرق ومعابر، دول ومناخات وجغرافيا بعيدة.

وفي الطريق يقين لا يحكمه المنطق بالنصر، وهواء يفصل بين برزخين من الذل والكرامة، ونساء يزرعن أصص الورد على أبواب الخيام، ورجال يبحثون عن الموت ليحيا أطفالهم، تلك ثورة سيندم من لم يعشها، ستحكي عنها الجدات لأحفادهن، ويتعلق طفلك برقبتك وهو يسألك بحب، هل حقاً عشت ثورة.