تختفي الطفلة سعيدة (١٠ سنوات) في ركن مظلم من الخيمة التي تسكنها لتبدأ بـ “حك” البثور التي انتشرت على جسدها النحيل، يبدأ الهيجان مع دخول ساعات المساء مسبباً ازعاجاً شديداً يقلق نومها، تستمر الحكة لساعات تدخل فيها بنوبة بكاء قبل أن تغفو الطفلة لشدة التعب والألم المرافق، تقول والدتها إنها غالباً ما تستيقظ على صوتها دون أن يكون بمقدورها فعل أي شيء، سوى سكب الماء البارد على جسد الطفلة الصغيرة، لا تعرف إن كان هذا الأمر يفيد في علاج طفلتها من مرض “الجرب” الذي انتشر بين جميع أفراد العائلة، إلا أنه يخفف قليلاً من آلام طفلتها مع غياب النقاط الطبية وارتفاع سعر الأدوية وفقر الحال.

ليست سعيدة وحدها من تعاني من مرض الجرب، بل جميع سكان الخيمة التي تضم ثلاث عائلات ويسكن فيها نحو ستة عشر شخصاً، ويسكن معهم مرض الجرب أيضاً، تروي أم سعيدة إن المرض بدأ يظهر منذ نحو شهرين على شكل بثور حمراء صغيرة في بعض أماكن الجسم قبل أن ينتشر بين جميع الموجودين في الخيمة، أطفالاً وبالغين وكباراً في السن.

عن مرض الجرب

والجرب مرض طفيلي جلدي ينتج عن الإصابة بحشرة “طفيل العثة” ويطلق عليها “القارمة الجربية”، حجمها صغير ولا ترى بالعين المجردة، وتعيش في طبقة الجلد الخارجية للإنسان، يقول الطبيب مصطفى الشعبان (أخصائي الأمراض الجلدية) إن الحكة، خاصة أثناء الليل، أهم أعراض المرض، ومع تطور الإصابة تشاهد تقرحات أولية وحطاطات حمامية وفقاعات وحفر في الجلد، وإن الإبطين والمرفقين وبين أصابع اليدين والقدمين والأعضاء التناسلية أكثر الأماكن التي ينتشر فيها الجرب، ونادراً ما ينتشر الجرب في الرأس والوجه، باستثناء بعض الحالات التي تصيب الأطفال وكبار السن لضعف مقاومتهم للمرض.

مرض الجرب يعشش في المخيمات

ضعف الاستجابة وغياب المرافق الصحية والمعدات اللازمة للنظافة الشخصية شكل مناخاً مناسباً لانتشار الحشرة المسببة لمرض الجرب، ساهم الطقس البارد وغياب المياه الساخنة أيضاً في انتشارها، إذ تنشط هذه الحشرات في الأجواء الباردة والرطبة.

تكشف أم سعيدة عن يد ابنتها لترينا فظاعة ما أحدثه المرض في جسدها، تظهر الجروح وخثرات الدماء واضحة، وتظهر آثار الحكة ندوباً فوق الجلد، تلعن الأم مقولة “ما حك جلدك غير ظفرك” وهي تظهر ما تركته أظفار الصغيرة على جسدها، دون أن تستطيع ثنيها عن ذلك.

مخيم الكرامة بريف إدلب، حيث ينتشر الجرب بين عدد من أفراده
مخيم الكرامة بريف إدلب، حيث ينتشر الجرب بين عدد من أفراده

ويعيش في مخيم الكرامة (غرب معرتمصرين بمدينة إدلب) نحو ٥٠٠ عائلة، ضمن خيام أعدت على عجل، وفي ظروف صحية واقتصادية قاسية، حالهم حال نحو مليوني سوري توزعوا على مخيمات بالقرب من الشريط الحدودي.

وفي جولة ميدانية على بعض المخيمات، ومن خلال ما يتم نقله عبر وحدة تنسيق الدعم ومنسقو الاستجابة وما تتداوله وسائل الإعلام، يعيش معظم سكان هذه المخيمات دون اهتمام بالرعاية الصحية والخدمات العامة، المياه النظيفة نادرة وكذلك أدوات التعقيم، وتغيب العيادات المتنقلة عن معظمها، بينما تتركز المشافي في مناطق بعيدة نسبية لا يستطيع الأهالي تحمل أكلاف الوصول إليها، أما النظافة الشخصية والحمامات والمراحيض فمعظمها مشترك، وهو ما يحول دون استخدامها المتواتر من جهة، ويجعلها عرضة لنقل الأمراض والأوبئة من جهة ثانية.

تخبرنا أم سعيدة أن أطفالها لم يستحموا منذ خمسة وعشرين يوماً في بداية نزوحهم، إذ لا وجود لمكان مخصص للاستحمام في المخيم، كذلك المياه غير المتوفرة والتي يدفعون ثمنها، ما يدفعهم للاقتصاد في استخدامها على الشرب والاحتياجات الضرورية.

يقول الطبيب الشعباني إن الاكتظاظ وندرة الوصول إلى المياه النظيفة، كذلك تأخر التشخيص أو انعدامه والتشخيص الخاطئ وعدم توافر الأدوية، يزيد من حدة المشكلة، وجميع هذه الظروف متوافرة في معظم المخيمات إن لم نقل كلها. بينما تخبرنا السيدة “فاطمة أم محمد” وهي تسكن في مخيم عشوائي على أطراف مدينة سرمدا إن الأمر أسوأ في هذه الخيام، لعدم وصول المنظمات الإنسانية إليها وسط الفقر الذي يعيشه سكانها، كذلك صعوبة إحصاء حالات الجرب لعدم معرفة الأهالي فيما إن كانوا مصابين بالفعل حتى مراحل متقدمة من المرض، وهو ما يزيد من صعوبة العلاج وكلفته.

الوقاية والتوعية الغائبة

علي السعيد وهو أب لخمسة أطفال يعيش في مخيم بالقرب من بلدة أطمة يقول إن معظم السكان يعرفون أن “الجرب حين يدخل في مكان لا يتركه بسهولة قبل أن يصيب جميع السكان”، وهو ما يفرض إجراءات وقائية من المستحيل تطبيقها في ظل الظروف الحالية التي يعيشها قاطنو المخيمات.

يقول الطبيب الشعباني إن العدوى تتم بنسبة كبيرة نتيجة التلامس المباشر مع الجلد المصاب، وبنسبة أقل عن طريق ملامسة الملابس والفراش والأغطية، ويفترض عزل المصاب وغلي ثيابه وتعقيمها وكيها قبل ارتداءها، كما يفترض تعقيم المكان أيضاً والحرص على النظافة العامة في المناطق التي تحيط بالمخيمات أو داخلها، دون إهمال ضرورة التوعية الصحية بالمرض وطرق انتقاله، والأهم البدء باكراً بالعلاج.

يخبرنا علي السعيد إن الوقاية تحتاج لـ “درهم” لا يملكه الغالبية العظمى من السكان، فلا مواد معقمة ولا مياه ساخنة أو باردة إلا بالحد الأدنى الذي لا يسمح بالاستحمام يومياً، كذلك لا يوجد وقود لغلي الثياب ولا كهرباء لكي الملابس أو تشغيل الغسالات للفراش و الأغطية، ناهيك عن غياب النقاط الطبية داخل المخيمات والتي يفترض أن تقوم بدور التوعية اللازمة، فمعظم أطفال المخيمات يعيشون في العراء مع توقف المدارس، غالباً ما تراهم يلهون بالمياه الآسنة بثياب متسخة، وينتشر بينهم أمراض وأوبئة كثيرة لا تقتصر على الجرب، بل تتعدى ذلك للقمل واللشمانيا..

تقول أم سعيدة التي تخبرنا عن إصابتها أيضاً بالعدوى إنها تضطر لشراء المياه عبر صهاريج، وهو ما يدفعها للاقتصاد بصرفه فثمنه يفوق “لقمة العيش” على حد قولها، كما تقول إن معظم من يسكن في الخيمة يتشارك نفس الأغطية والوسائد والألبسة واستخدام الأواني للطعام، كما يتلامس الأطفال خلال لعبهم ما سبب في انتشار الجرب بين الجميع، ومع معرفتها بالمرض إلا أنها لم تتوجه إلى العلاج بسبب “ضيق الحال والكلفة العالية”، ولذلك تلجأ إلى سكب الماء على أجساد أطفالها ونزع الأغطية عنهم علّ الهواء يخفف من حدة الهيجان، وهو ما قلل من أهميته الطبيب الشعباني الذي يقول إن حشرات العثة تختبئ في جلد الإنسان وتصبح مقاومة للمياه والصابون وحتى الاستحمام اليومي، وأن الماء البارد يزيد من تكاثر الحشرة، ناهيك عن الأمراض الأخرى التي من الممكن أن تصيب الأطفال في ظل المناخ البارد، كنزلات البدر والتهاب القصبات وغيرها..

لا توجد إحصائيات عن عدد مرضى الجرب في المخيمات، يحول دون ذلك غياب المؤسسات الصحية ودور المنظمات، كما يكون لإخفاء الأهالي إصابة أبنائهم بالمرض دور كبير في فقدان الإحصائيات وانتشار العدوى، إذ ارتبط مفهوم مرض الجرب بـ “الإهانة” كدليل على انعدام النظافة الذي تتحمل مسؤوليته الأم في المجتمع السوري، وهو مفهوم خاطئ بحسب الشعباني الذي يرى أن “عدم النظافة” ليس السبب الأهم في انتشار المرض، بل ضعف التوعية والعدوى، إلا أن لمراعاة النظافة الشخصية دور هام في العلاج مع توافر الأدوات اللازمة والعلاج المناسب.

كلفة مرتفعة وندرة في المراكز الصحية

تقول الصيدلانية سحر العبد الله إن سعر العبوة الواحدة من أدوية الجرب (بيرمثرين) يتراوح بين (١٥٠٠-٢٥٠٠ ليرة سورية)، بحسب الشركة المصنعة، ويحتاج المريض لمدة علاج لا تقل عن أربعة أسابيع بهذا الدواء.

الطبيب الشعباني يقول إن العبوة تكفي الشخص لمدة يومين على الأكثر، ما يتطلب دفع كلفة تصل إلى نحو (٢٥ ألف ليرة شهرياً) ناهيك عن إشراك بعض الأدوية في حال التقيحات الجلدية، كالمضادات الحيوية وأدوية مضادات التحسس للتخفيف من الحكة، وينبه الطبيب إلى ضرورة توعية المرضى بكيفية استخدام الدواء، إذ يتوجب على المريض تطبيق العلاج على الجسد دون التعرض للمياه خلال ٢٤ ساعة من استخدامه، والتنبيه على إعادة تطبيق الدواء في المناطق التي تتعرض للمياه كاليدين والقدمين خلال التغسيل أو الوضوء.

جانب من حياة السكان في مخيم الكرامة بريف إدلب
جانب من حياة السكان في مخيم الكرامة بريف إدلب

يقول من التقيناهم في مخيم الكرامة إنهم يتخوفون من انتشار العدوى بين الأهالي، كذلك في مخيمات أخرى، ويطالبون بعيادات متنقلة للفحص وتقديم الأدوية، والتوعية اللازمة، مؤكدين أن انتشار الجرب وغيره من الأمراض الجلدية سيكون مسألة وقت قبل أن يتحول إلى كارثة تصيب الجميع إن لم تتخذ الحلول المناسبة.

وتصل كلفة النقل من المخيمات إلى عيادات أطباء الجلدية، والذين يندر وجودهم سوى في مركز المدينة بإدلب، نحو ٢٠ ألف ليرة سورية، تزيد بحسب المسافة، ناهيك عن أسعار الأدوية، يقول أحد الذين التقيناهم إن الأهالي “لا يملكون ثمن الخبز حتى يشتروا الدواء والمعقمات”، بينما تبكي أم سعيدة حال أطفالها، تقول إن “الجرب ينهش جسد أطفالها، والحكة ترافقهم حتى في أحلامهم”.