يكفي ذكر اسم إدلب أو مشاهدته على نشرات الأخبار لتعتمل في صدور كثير من الأمهات في مدينة حماه مشاعر الخوف والقلق، الخوف من الإفصاح عن مشاعرهن في مكان تراقب فيع عيون عناصر الأمن أي التفاتة منهن، والقلق على مصير أبنائهن الذين تركوا منازلهم في المدينة وانخرطوا في ركب الثورة والقتال على الجبهات، أو الابتعاد عن مناطق سيطرة النظام.

ألفاظ “تشبيحية” وأحاديث عن انتصارات مزعومة وتهديدات بحرق كل من يسكن في إدلب، هو ما كل تسمعه الأم الحموية يومياً كيفما اتجهت، تقول أم عمر إنها تعيش حيرة بين تصديق ما يتناقله جيرانها في حماه وما تعرضه قنوات النظام، وبين حديث ابنها وعائلته الذي يسكن في إدلب، تخبرنا أنها تخاف من تطمينات ولدها الذي لا يخبرها الحقيقة خوفاً عليها، وهو ما يدفعها للاتصال به يومياً أكثر من مرة عبر الواتس أب، وتصر على أن تكون مكالمة فيديو، رغم صعوبة الاتصالات ورداءة الانترنيت، لتقرأ من وجهه فيما إن كان يقول الحقيقة، أو أنه ليس بخير كما يدعي.

يخبرنا عمر إن والدته تصر في كل مرة على سؤالين تحولا إلى لازمة يومية، هل سيقوم صاحب المنزل بإخراجك منه؟ هل ما تزال مستمراً في دوامك الجامعي وعملك، الذي لا تدري ما هو، الجواب بالنفي عن التساؤل الأول والتأكيد على الثاني هما مسكن الألم لوالدته تستطيع بعدها النوم، على حد قوله، لتنتقل بعدها إلى السؤال عن حال طفليّ محاولة الحرص على عدم الحديث بدلالات واضحة لقناعتها بفرض رقابة من قبل عناصر الأمن على الانترنيت في حماه.

لا يشغل بال الأم الحموية أبناءها الأحياء فقط، بل لقبور الشهداء نصيب من قلقهن لا يقل أهمية، تقول أم عبدو التي استشهد أحد أبنائها في ريف حلب الغربي ليدفن بالقرب من سراقب إن كل ما تحلم به حفنة من تراب قبر ولدها الشهيد، والذي فقد والده منذ كان رضيعاً في الثمانينات من القرن الماضي لتغيب أخباره حتى اللحظة.

لا تكف أم عبدو عن الاتصال بأصدقاء ولدها الشهيد، ليحكوا لها قصة موته، يقول أحدهم إن وصيتها الدائمة أن نحفظ مكان قبره كي يتسنى لها زيارته يوماً، وبدورنا نطمئنها باستمرار إننا نقوم بزيارته دائماً لنقرأ الفاتحة ونسقي قبره، كثيراً ما طلبت منا صوراً للمكان وكنا نفعل، تقول أم عبدو إن المحبين كثر وصور القبر التي وصلتها كانت دائماً مزينة بالريحان.
ام سليم من مدينة حماة والتي كانت حاضرة يوم استشهاد زوجها منذ ثلاث سنوات ومراسم دفنه في مدينة كفرنبل التي عاش فيها لسنوات طويلة تحكي لأطفالها في كل يوم عن والدهم، تخبرهم عن مكان دفنه، أحياناً ترسم لهم الطريق نحو المقبرة، بعد أن حالت المسافات بين وصولهم إليه. أما أم سعد التي استشهد ابنها في ريف حماة فتحتضن طفله الصغير وهي تخبرنا أنها تديم الاتصال بأصدقائه علها ترتاح من وجع الذاكرة، يقول سامر (أحد أصدقاء سعد) إنه وفي كل مرة تتصل به والدة سعد تحاصره بالحنين والحب، وإنه دائم الذهاب إلى قبر صديقه لنقل رسائل والدته وحنينها إليه.

بين السؤال عن الحياة والموت، تجلس الأم الحموية وهي تلوك حزنها وقلقها، وكلها أمل برؤية أولادها أو حتى الحصول على حفنة تراب من قبورهم. لا يمكن أن ينتهي الحزن دون أن تبدأ مراسم الحداد، ولا حداد دون أن تلمس الأم قبر طفلها لتتأكد أنه يرقد بسلام.