الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

 “أيام زمان كنا نوصل بـ 35 دقيقة من إدلب لحلب، أما اليوم يستغرق الطريق 35 ساعة”، هكذا يصف أبو أنس من سكان بنش المعاناة الكبيرة لسكان الشمال المحرر في التنقّل لمناطق النظام، وزادت المشقة أكثر عقب استئناف قوات الأسد العمل العسكري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي في الرابع والعشرين من كانون الثاني الماضي، ما أثّر بشكلٍ سلبي على الأهالي وزاد النفقات والمشقة على البعض، بينما حُرم آخرون من الوصول لمناطق النظام.

عقب تقدم قوات النظام باتجاه معرة النعمان الشهر الماضي، فرضت إجراءاتٍ مشدّدة على السكان الراغبين بالتنقّل من الشمال المحرر إلى مناطق سيطرته، وقال أبو أنس من سكان بنش: “قررت الشهر الماضي السفر إلى مدينة حماه لاستلام راتبي التقاعدي، وحين اتصلت بالسائق لحجز مقعد، تفاجأت حين سألني عن نفوسي!، فقلت له إدلب، فقال لي أعتذر منك ممنوع”.

وأضاف أبو أنس لموقع فوكس حلب “صُدمت من كلام السائق، واستفسرت منه عن السبب، فأجاب أن حواجز الأسد تمنع أي شخص من إدلب وريف دمشق ودرعا والمنطقة الشرقية من المرور لمناطق النظام، بينما يُسمح فقط بالمرور لأهالي حلب وحماه وحمص واللاذقية وطرطوس”، مشيراً الى أن “الكثير من القادمين من الشمال المحرر تم منعهم مؤخراً من الوصول إلى حلب من قبل حاجز الفرقة الرابعة في ريف منبج، رغم قطعهم لمسافاتٍ طويلة”.

لماذا منع الأسد محافظات محددة من العبور؟

وقال الصحفي غياث الذهبي: إن “منع النظام سكان محافظات محددة من العبور لمناطقه يعود لعدة أسباب، أبرزها أن الأسد يريد دفع الأهالي في الشمال المحرر للعبور لمناطقه عبر المعابر الرسمية التي افتتحتها روسيا الشهر الماضي، ولاسيما أن موسكو كانت منزعجةً من عدم مرور أي من الأهالي عبر المعابر التي افتتحتها، وبالتالي وجدت أن منع السكان من التوجه لمناطق النظام عبر الطرق التي كانوا يسلكونها سابقاً، قد يُجبرهم على  استخدام المعابر الروسية”.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن فتح ثلاثة معابر لإخراج المدنيين من محافظة إدلب وهي (أبو الظهور والهبيط والحاضر)، اعتباراً من 13 كانون الثاني الماضي، زاعمةً أن “تلك المعابر تحتضن نقاطاً لتقديم الإسعاف والماء الصالح للشرب والغذاء الساخن والأدوية والمستلزمات الأساسية، كما تم تخصيص وسائل نقل لإخراج الراغبين من الخروج من مناطق المعارضة”.

وسبق أن انتشر تسجيلاً مصوراً، يُظهر تعامل عناصر قوات النظام السوري والموالين له مع السوريين العائدين إلى مناطق سيطرته، من معبر كسب الحدودي بين سوريا وتركيا، حيث يظهر التسجيل الضرب والإهانات التي يتعرض لها السوريون الراغبون بالعودة.

وأضاف الذهبي لموقع فوكس حلب أن “منع النظام سكان بعض المحافظات ولاسيما ريف دمشق ودرعا من العبور لمناطقه، يأتي كنوعٍ من العقاب لهم كونهم ثاروا ضده، وبنفس الوقت لتعزيز سياسة التغيير الديمغرافي في العاصمة دمشق التي يسعى لتحصينها جيداً، لذلك يمنع عودة كل من يمكن أن يُشكّل حاضنةً شعبيةً مواليةً للمعارضة قد تنقلب عليه فجأةً في وقت لاحق”.

حلول بديلة لكن مكلفة وشاقة!

تعنّت الأسد وعدم سماحه لأي أحد من أبناء المحافظات السابق ذكرها من المرور لمناطقه، سبّب حالةً من الإزعاج لكثيرٍ من السكان، ولاسيما الموظفين والمرضى وطلاب الجامعات، أو من تضطره الظروف للتوجه لمناطق النظام، وهو ما دفعهم للبحث عن طرقٍ بديلة للسفر.

وقال سائق من ريف إدلب فضّل عدم ذكر اسمه: “اتفقنا مع بعض حواجز النظام على تسيير رحلات تضم ركاب من مختلف المحافظات، مقابل تقاضيهم مبالغ مالية كبيرة، حيث تبلغ أجرة الراكب الواحد من أبناء إدلب ودمشق ودرعا والمناطق الشرقية 250 ألف ليرة سورية، ويستغرق الطريق حوالي 30-35 ساعة، أما أهالي حلب وحمص وحماه والساحل، فتبلغ أجرة الراكب 45 ألف ليرة، ويستغرق الطريق 12 ساعة فقط”.

وبرر السائق ذلك قائلاً: إن “حواجز الأسد تتقاضى مبالغ مالية كبيرة مقابل السماح لنا بالمرور، لذلك نضطر لرفع الأجرة إلى 250 ألف ليرة لتعويض الأموال التي ندفعها كرشاوى، كما أن زمن الرحلة يطول، كون كل حاجز يقوم بالتدقيق بشكلٍ مطوّل على هويات الركاب، فضلاً عن تعمّد بعض الحواجز ايقاف حافلات ركاب إدلب والشام كنوعٍ من العقاب لهم، بينما يتساهلون مع ركاب حلب وحمص والساحل، لذلك تكون تعرفة الركوب والوقت المستغرق أقل بكثير”.

هند (طالبة جامعية) من أهالي معرتمصرين تشرح حجم المشقة على الطريق للوصول إلى حلب قائلةً: “رغم صعوبة الطريق والتكلفة الباهظة سافرت الأسبوع الماضي لأني مضطرة للدوام في الجامعة، انطلقنا الساعة السادسة صباحاً من معرتمصرين إلى سرمدا ثم الدانا وصولاً الى أطمه بريف إدلب الشمالي، حيث تتواجد حواجز هيئة تحرير الشام، ثم تدخل السيارة نحو معبر ديربلوط في منطقة عفرين، حيث تتواجد حواجز فصائل المعارضة التي تتبع لـ قوات غصن الزيتون، والتي تتولى عملية تفتيش السيارات، وبعد الخروج من عفرين تتجه السيارة إلى معبر عون الدادات بريف منبج”.

وأضافت هند “توقفنا عند معبر العون من الساعة الواحدة ظهراً حتى مغيب الشمس، بعدها أكملنا الطريق حيث نضطر للمشي 400 متراً لعبور جسر العون، كونه شبه مهدم ولا تستطيع السيارات المرور فوقه، الى أن نصل إلى حاجز الوحدات الكردية على الجهة الأخرى من المعبر، وبعد عبور الجسر صعدنا بسيارة باتجاه حلب، وحين وصلنا الى أول حواجز النظام، قاموا بإنزالنا وتفتيشنا بدقة وتوجيه الكلمات النابية لنا، ثم منعونا من إكمال الطريق، حيث أجبرونا على النوم ضمن الحافلة حتى الصباح التالي وسط البرد والأمطار والثلوج، وبعد ليلةٍ مأساوية أكملنا الطريق صباحاً لنصل ظهراً بعد رحلة مليئة بالرعب والمشقة”.

ويوجد بين معبر “عون الدادات” ومدينة منبج خمسة حواجز لـ “قسد” جميعها للتدقيق والتفتيش، ويرافق السيارات التي تمر “مجموعات الترفيق”، وهم أشخاص متعاونين مع “قسد” يسيرون مع سيارات الركاب على أساس حمايتها مقابل تقاضي مبلغ لا يقل عن 25 ألف ليرة سورية عن كل سيارة، وبعدها يتم ترفيقهم من آخر حاجز “لقسد” إلى معبر التايهة مباشرةً التابع للنظام دون المرور بمدينة منبج، وبعد ذلك الاتجاه نحو تل عران بريف حلب الشرقي، ومن ثم تسير السيارة جنوباً على طريق خناصر إلى أن تصل لمدينة حلب.

كيف تبدّلت الطرق؟

الطريق من إدلب الى حلب اليوم لم يعد كما كان في 2010، ففي السابق كانت الرحلة تستغرق 35 دقيقة ضمن مسافة 55 كيلو متراً، أما الطريق بين إدلب ودمشق فيستغرق نحو 3 ساعات ونصف فقط.

وسيطرت فصائل المعارضة على سراقب ومعرة النعمان وخان شيخون في 2012، ما تسبّب في توقف طريق دمشق حلب، وأصبح التنقّل بين إدلب وحلب، من خلال طريق أثريا-خناصر وصولاً إلى حلب من الجهة الجنوبية الشرقية، بينما أصبح الوصول إلى دمشق، يتطلب المرور بطرق وعرة في ريف المعرة ومن ثم الدخول في ريف السلمية ومنها إلى القصير ثم العودة إلى الطريق الدولي، إضافةً إلى افتتاح طرقٍ أخرى بين الشمال المحرر ومناطق والنظام، منها طريق قلعة المضيق، وطريق مورك بريف حماة الشمالي، وطريق أبو دالي بريف إدلب الجنوبي.

مع تصاعد المعارك في ريف حماه تم إغلاق تلك الطرق، وبات الوصول إلى مناطق النظام يمر بمناطق الوحدات الكردية، حيث تم افتتاح ثلاثة معابر بريف منبج شرقي حلب (عون الدادات والحلونجي والحمران)، التي تربط المناطق المحررة مع المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، والتي يتم من خلالها العبور لمناطق النظام.

عقب بدء عملية “نبع السلام” شرق الفرات في التاسع من تشرين الأول الماضي، أغلقت “وحدات حماية الشعب” الكردية في منبج تلك المعابر الثلاثة، والتي كانت المنفذ الوحيد لأهالي المناطق المحررة، إلا أنه تم إعادة افتتاح معبر “عون الدادات” فقط أمام حركة المسافرين، في العاشر من كانون الأول الماضي.

تزيد الحواجز من معاناة بعض السكان المضطرين للتوجه إلى مناطق سيرة النظام، وترتفع الكلفة إلى أضعاف رواتب الموظفين، بينما تزيد العبء على المرضى الباحثين عن علاج، خاصة أمراض السرطان والتهاب الكبد.