في منّة من “والي جنديرس” بمنطقة عفرين ووفقاً لتعليمات صادرة من “سيادته” سُمح للوافدين من أرياف حلب وإدلب بإنشاء مخيمات صغيرة، وتوزيع بعض الخيام عليهم، كخطوة اعتبرها البعض ضرورية إلا أنها متأخرة، لسان حالهم يقول “أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً”.

وباعتبار جنديرس واحدة من الوجهات الرئيسية للوافدين إلى منطقة عفرين، والذين بلغ عددهم ما يزيد عن ثمانين ألفاً حتى العاشر من شباط الحالي بحسب منسقو الاستجابة، مع تضاعف هذه الأعداد خلال الأيام الماضية بحسب سكان المنطقة، تحولت أشجار الزيتون ومحيط جنديرس إلى مأوى تنعدم فيه مقومات الحياة والخدمات والمرافق العامة، بعد قرار منظمة الآفاد التركية منع إنشاء مخيمات في عفرين.

تقول أم محمد وهي وافدة إلى جنديرس من أسبوعين إنها تعيش في خيمة واحدة رفقة خمس عائلات أخرى، وتحصي أعداد المتواجدين في الأمتار القليلة التي تظلهم ولا تحميهم من برودة الطقس بأربع وعشرين شخصاً، ما دفعهم لصناعة خيام من “الحرامات” بعد أن أعجزتهم الحيلة في تأمين مأوى أو خيمة نظراً لارتفاع أسعار الإيجارات والخيام إن وجدت.

وما إن صدرت الأوامر من الوالي حتى توجه رجالات المجلس المحلي ومنظمة آفاد التركية بجولات تفقدية على سكان العراء، وتفقد الأماكن المناسبة لإنشاء تكتلات صغيرة أفرحت من حظي بمباركتهم وتشريفهم، علهم يحظون بشيء من الحياة داخل خيمة.

وما زالت كل طلبات إنشاء المخيمات تواجه بالرفض من قبل الآفاد التي كانت قد أغلقت نهاية الصيف الماضي واحداً من المخيمات العشوائية في دير بلوط، لتبدأ اليوم بخطوات متسارعة إعادة تجهيزه لاستقبال عدد من العائلات، ليتساءل الناشطون من أبناء المنطقة عن سبب رفض السماح للعائلات بالإقامة في مخيم “الملا خليل” القريب من الشريط الحدودي بالرغم من الحملات التي تبناها الناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي والظروف القاسية التي يعيشها السكان.

ويقول فادي شباط (وهو ناشط وصحفي من الذين شاركوا في هذه الحملات) إنهم وجهوا العديد من النداءات لتفعيل المخيم المنشأ سابقاً، والذي يحيط به سور حديدي ويتضمن خزانات للمياه وأرضية مفروشة بالبحص، لاستيعاب الوافدين الذين يحتاجون لما يزيد عن خمسة وعشرين مخيماً لاحتوائهم بحسب تقديره، إلا أن هذه الدعوات قوبلت بالرفض، كذلك فشلت محاولة توجيه الناس للدخول إلى مخيم الملا خليل لعلم الناس بقرار الرفض القاطع من آفاد ومنعها لعدد من العائلات الذين وصلوا إلى المخيم من دخوله.

يبرر بعض من التقيناهم رفض آفاد فتح مخيمات كبيرة في المنطقة باتفاق بين الحكومة التركية والأمم المتحدة يقضي بعدم استقبال النازحين في منطقة عفرين، بحجة الحفاظ على الخريطة الديموغرافية للمدينة كونها منطقة ذات أغلبية كردية، ويقول شباط إننا جميعاً سوريون وفي ظروف كالتي يعيشها الوافدون لا يمكن التفكير بالديموغرافيا قبل أن تصل القوى الفاعلة والأمم المتحدة إلى حل سياسي يضمن عودة النازحين إلى بيوتهم، أو تأمين مكان آمن لهم على الأقل.

وبالبحث عن ملكية الأرض التي أقيم عليها مخيم الملا خليل (غرب جنديرس) وجدنا أنها تعود لواحد من رجالات النظام السابقين كان يشغل منصب الأمين القطري المساعد لحزب البعث “زهير مشارقة” وتقدر مساحتها بأربعة عشر هكتاراً، يقول بعض من التقيناهم “لا نعرف فعلياً سبب منعنا من الدخول إلى المخيم، الديموغرافيا أم حماية أملاك مشارقة!”.

تحاول بعض المنظمات الإنسانية والفعاليات المدنية التخفيف من حدة آثار التهجير على العائلات الوافدة ببذل ما يمكن تقديمه لهم من مساعدات عينية وإغاثية، وتجهيز بعض مراكز الإيواء، إلا أن جميع جهودهم تكاد تكون بلا أثر أمام الأعداد والاحتياجات الكبيرة وضعف استجابة المنظمات الكبرى، وتجاهل العالم لمصير ما يزيد عن مليون ونصف المليون شخص هجروا خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي تشنها قوات الأسد وحلفاؤها على إدلب وأرياف حلب منذ نحو تسعة أشهر.

في النهاية علينا أن نوجه الشكر ونرفع أسمى آيات الحب والتقدير لوالي جنديرس على المنة التي شملنا بها عطفه، ومراعاته للديموغرافيا الكردية في المنطقة التي يحكمها أصدقاؤهم من الحكومة التركية.