صورة مرسومة للطفلة السورية التي قضت برداً منذ أيام -إنترنيت

أفرزت مشاهد الحرب السورية أسئلة جديدة للأطفال نقف عاجزين أمامها، نحاول اختيار الأجوبة ونحن نخفي تأثرنا، قبل أن نبدأ أحياناً بالبكاء، ما يزيد الأمر تعقيداً دون التفكير فيما ستتركه ردود أفعالنا وإجاباتنا على نفسية أطفالنا وبنائهم العقلي، تاركين الدفة للزمن علَه يفلح في ترميم شخصياتهم وإصلاح ما عجزنا عن فعله.

أصطلح مع طفليَ تسمية “أطفال الثلج” للصور التي نشاهدها عن معاناة الأطفال في المخيمات خلال الظروف المناخية القاسية التي يعيشونها، أحاول التخفيف من حدة المشهد باسم يرتبط في الذاكرة بأشياء جميلة في ذاكرتي، إلا أن ذلك ينهار أمام تساؤلاتهم التي لا تنتهي عن أطفال يموتون من البرد، يسألني صغيري عن إيمان الطفلة التي قضت بين يدي والدها برداً في واحد من المخيمات والتي تسكن صورتها مخيلتي وعقل طفليَ “كيف ماتت؟”، أحاول أن لا أكذب “من البرد”، سؤال آخر “ما عندون صوبة”، مجدداً أقول الحقيقة “لا ما في”، أقطع الطريق عن أسئلة جديدة ستجبرني على قول الحقيقة، أحكي لهم عن السبب وراء كل هذا، أحصرها بشخصية واحدة أبدأ بشتمها ويفعلان مثلي، دون أن أستطيع إيقافهم بالحديث عن “الكلام البذيء”، و “أسس التربية”.

أرتاح لدقائق أشعر فيها بتوقفهما عن لعبة الصراحة تلك، باتوا يعرفون غريمهم جيداً، لا آبه لما سيحدث بعدها وهل فعلاً ما أقوم به هو الصواب، مطلقاً أشعر بأني أقترف ذنباً بحقهم إلا أن الانفصال عن الواقع في هذه الأيام يحتاج لأشياء لا يمكن تأمينها، بيت دافئ، مدرسة، ملعب أطفال، هدايا تشجيعية، كهرباء، وقبل كل ذلك عدم التعلق بشاشة الهاتف المحمول وغرف الأخبار والقبضة اللاسلكية.

أحاول الابتعاد عن أطفال الثلج بالحديث عن دمشق التي هجرنا منها منذ سنوات، أريهم صوراً لجدهم وجدتهم وأخبرهم عن أطنان من الحب والقبل والحكايا سترافقهما عند رؤيتهم، يسألني طفلي “ليش تركنا الشام وتركناهم”، قبل أن أجيب وكأنه سؤال العارف يعيد علي أسئلة قبل النوم “ليش عم تقصفنا الطيارة؟”، “هل سننزح إلى عفرين؟”، “لايمت المدرسة بدها تضل مسكرة”، وقبل أن يسمح لي بالرد يعيد السؤال المقصلة “ليش ماتت البنت الي بالصورة؟”

يبدو أن الحقيقة لم تعد مطلب الصغار، وفشلت المدارس التربوية التي تحدثت عن وجوب مصارحة الأطفال بما يدور حولهم، ما نفع ما أقوم به إذن؟ أتساءل وأنا أعرف أن إجابتي عن السؤال لن ترضيني أنا الأخرى، أمام الصور التي يراها الأطفال في كل دقيقة، وصوت الطائرات التي اعتادوها مع كثير من الخوف، و “زمور” الإنذار التي ينخر رأسي ويشل حركتي وأنا أرى طفلي يتوجهان نحو زاوية الغرفة التي اصطلحنا أنها “آمنة”، لا أعرف من فعل ذلك ولكنا نمارسه يومياً في محاولة لخلق فسحة أمل واهمة إلا أنها ضرورية، لا يمكن أن نبقى في مكاننا دون رد فعل، حتى وإن كان “لا يقي من عظم ما سيحدث”.

يميز الأطفال اليوم بين صوت الطائرة الحربية والمروحية، ويختلفون حول صوت القذائف، منذ أيام وأنا أركض نحو زاوية الأمان بعد صوت شديد ضحك طفلي على سذاجتي، أخبراني أنه صوت الرعد قبل أن أبدأ بنوبة ضحك وبكاء في آن معاً.

استرق السمع على حوارات تدور بينهما، يبدآن بالحديث عن وصول قوات النظام بالقرب من مدينة إدلب حيث نسكن، يعرجان على نزوح خالهما نحو عفرين، ويحفظان أسماء القرى والبلدات واتجاهاتها، ينقلان ما شاهداه وسمعاه عبر هاتفي الجوال، يحللان الدور التركي والفصائل وروسيا ونظام الأسد وأمريكا، ثم ينظران نحوي علَى أخرجهما من الحيرة أو أرجح كفة رأي أحدهما، دون جدوى، فأنا الغائبة اليوم عن المشهد أبحث عن طريقة لا تجبرني على نزوح عاشر، وأستعير لأجلها كل الدعاء والصلوات والأمنيات.

تتوقف الحياة في المدينة، لا مدارس تشغل عمر الطفولة وتلهيهم عن ما يحدث حولهم، لا زيارات عائلية تخفف من وطأة الأيام الطويلة، يضاف إلى ذلك النزوح وما سببه بابتعاد الأطفال عن أصدقائهم، طفلي الذي ارتاح لفكرة عدم ذهابه للمدرسة بدأ بالتململ ما دفعني لاصطحابه إلى السوق، في الشارع لفت نظري عدد الأطفال الباحثين عن المساعدة، شدني طفلي من يدي يريد أن يفلتها وهو يشير إلى أحد أصدقائه، غيرت طريقي كيلا نمر من أمامه فيشعر بالحرج، وأنا أنتظر سؤالاً مقصلة آخر، “ماما ليش عبيشحد”، كذبت وأنا أخبره أنه لا يفعل، هو فقط يمر في الشارع ليلهو مع أقرانه، صمت طفلي ومسحت دمعتي وأنا أتهيأ لأسئلة كثيرة قادمة لن تفلح معها المواربة.

منيرة بالوش