يشعر الشخص في غربته بالانتماء من خلال أغنية، منذ ليل أمس وأنا أعيد ما فعله وائل سعد الدين بنا، أحاول جاهداً أن أتجاهل كمية الألم التي رافقتني خلال سماعي للأغنية، ومع كل ضربة وتر كان يحز قلبي فأعيد تكرارها من جديد، ربما أحاول الهرب من إدلب إليها، فكل الطرق اليوم توصلني إلى هناك.

أيضاً يشعر الشخص بالانتماء من خلال صورة، صورة الطفل الذي قضى برداً بشفاهه المزرقة دفعتني للمشي في أرجاء الغرفة، من خلف الستارة التي تفصلني عن أطفالي راقبت وجوههم النائمة، تجرأت قليلاً لأمسح رأس أحدهم، شددت الغطاء عن طفلتي التي ورثت عني كرهها للدفء، ضممت آخرهم وهو يحاول التفلت من بين يدي وإكمال نومه الذي أزعجته، تركتهم لأحلامهم وعدت لعد البلاطات جيئة وذهاباً وصورة الطفل لا تفارق مخيلتي، الموت برداً يشدني إلى إدلب، حيث الأطفال يبحثون عن بقايا شمس يفردون تحتها أجسادهم الرقيقة، فيما تقوم الأمهات بنشر بقايا الغسيل والعجائز بفتح ممرات لمياه الأمطار بعيداً عن خيامهم.

يشعر الإنسان بالانتماء لصوت الواتس آب في هذه الأيام، يحاول جاهداً التقاط صوت أقربائه وأصدقائه، يرجوهم أن يطمئنوه عن أحوالهم، وفي كل مرة يرن الهاتف بعلامته الخضراء تبتدئ معاناة الخبر القادم، أتأرجح بين قرار الاستماع وعدمه. دقائق تمر قبل أن أقرر في كل مرة الاستماع، دائماً تتضمن الرسائل كلمات مواساة لنا ممن يعيش في الجحيم، أتساءل كيف تنقلب الأدوار قبل أن أجد الإجابة، نعم أنا من هناك، من المكان الذي يجد فيه الضحية وقتاً لطمأنتك عن إنسانيتك قبل أن تفقدها.

في الحديث عن إدلب تتبدل المواقف في كل دقيقة، تارة أحب ترامب وأخرى أكرهه. للحظات أعشق أردوغان قبل أن أبدأ بشتمه وجيشه ونقاطه، تمر دقائق أكره فيها العالم بأكمله قبل أن أعيد ترتيب أفكاري، لا وقت للسياسة اليوم خلال امتحان الإنسانية، أطالب من أعرفهم بالنجاة من هذا السعار، أستعير لهم الآيات والأحاديث عن الهجرة، أتلو عليهم ما يعرفونه جيداً قبل أن يأتيني صوت أحدهم ليسألني إلى أين؟

أتوقف عن دور الداعية لأبحث عن حلول فردية، أرفع سماعة الهاتف لأتصل ببعض من أعرفهم من أصدقائي علنا نفعل شيئاً، أي شيء يوقف هذا الضجيج في عقولنا، ندخل في أحاديث جدلية وغالباً ما ننتهي بـ “بدها صبر”، أو “بيفرجا الله”.

“بدنا بيت”، “الثلج يغطي المخيمات”، “لا مخيمات تستوعب الوافدين”، “آلاف العائلات تحت شجر الزيتون”، “أنتظر على الطريق منذ ساعات دون وصول من يقلني إلى المجهول”، “لا يوجد خبز في البيت منذ أيام”، “أحتاج لجرعة سرطان”، “عالم قذر”، “شادي حلوة يرقص على الطريق الدولي”، “إسقاط حوامة لقوات الأسد واحتراق طياريها”، “بث مباشر لكلمة أردوغان”، “شعر وشعر وشعر”، “لا ضامن إلا الله”، “بين وعد وأماني حجاب وسفور”، “الغالي أبو بلال”، “الخائن أبو بلال”، “بدء عملية لاسترجاع ما خسرناه من نقاط”، “قوات الأسد تصل إلى مشارف الأتارب”.. كل ذلك يمر أمامك في دقيقة واحدة تشعرك بالبرد، قبل أن ترتجف على نفسك في زاوية الغرفة وحيداً وخائفاً.

لا وقت للمحاكمات العقلية، جميعنا يتصرف بردة الفعل، ربما يكون ذلك مباحاً في هذه الظروف، لا أحد يجيد التفكير في شيء، يقول صديقي وهو يقلب صفحات الأخبار في جهازه المحمول، تنقلني جملته إلى بيوت العزاء قديماً، في الباب من يستقبل المعزين يشدون على يده، بعضهم يقبله قبل أن يتجمعوا ككتل في الخيمة، لتدور أحاديث كثيرة عن الحياة والموت وأسعار المواد الغذائية والسيارات، بينما يوزع أحدهم فناجين القهوة المرة والدخان، يلتفت أحدهم ليقطع الحديث بالدعاء للميت وقراءة الفاتحة، على مضض تغلق الأحاديث الجانبية وترتفع الأكف بالدعاء لدقيقة واحدة، لتحضر وفود جديدة وتحتل الأمكنة والأحاديث من جديد، بين هؤلاء من يذهب لإحضار الكفن وتجهيز الطعام لأهل المتوفى، ربما ذلك ما نحتاجه اليوم أقول في نفسي، أولئك فقط من يشعرون بالانتماء. إلا أنه لا بيوت عزاء اليوم في إدلب، مئات الشهداء في كل يوم يعبرون إلى قبورهم بينما تبحث عائلاتهم عما يسد الرمق.