الصورة لمدينة سراقب منذ أيام -إنترنيت
الصورة لمدينة سراقب منذ أيام -إنترنيت

تكتسب مدينة سراقب أهميتها من كونها عقدة الربط بين الطريقين الدوليين M4 و M5 والتي تسعى قوات الأسد للسيطرة عليهما كهدف معلن منذ بداية الحملة الأخيرة على أرياف إدلب وحلب، وبسيطرة هذه القوات على قرية وتل مرديخ وبلدات جوباس والترنبة والنيرب خلال اليومين الماضيين باتت المدينة محاصرة من الجنوب وحتى الغرب، وسط تواجد لنقاط تركية تحيط بالمدينة من جهاتها الأربع، وصمود أبناء سراقب الذين رفضوا إخلاء المدينة وقرروا الدفاع عنها حتى الرمق الأخير.

سراقب منطقة عسكرية

أعلن المقاتلون المتواجدون في سراقب المدينة منطقة عسكرية يمنع دخول المدنيين إليها منذ يوم الأحد الماضي، حرصاً على سلامتهم وخوفاً من مجازر جديدة ترتكب بحقهم بعد القصف الكثيف الذي تتعرض له أحياؤها بمختلف أنواع الأسلحة.

وكان المجلس المحلي في المدينة قد وثق نزوح معظم السكان البالغ عددهم بحسب آخر إحصائية نحو ٦٥ ألف نسمة من أبناء سراقب و٢٠ ألف شخص من الوافدين إليها، إلى مناطق أكثر أمناً على الشريط الحدودي، ليبقى في المدينة بعض الشبان والمقاتلين الذين قرروا الدفاع عنها.

يقول من تحدثنا إليهم أن ملامح المدينة قد تغيرت، لم تعد تشاهد سوى الدمار والأنقاض الذي خلفته الغارات الجوية والقذائف المدفعية، توقفت الحياة العامة والأسواق والخدمات الطبية، بعضها قصف وخرج عن الخدمة وبعضها الآخر هجره أصحابه بعد نزوح السكان وانعدام القدرة على البقاء، الكهرباء قطعت كذلك الطعام، ولم يبقى في المدينة سوى شبكة انترنيت واحدة يمكن من خلالها التواصل مع المتواجدين في سراقب للاطمئنان عليهم ومعرفة أخبارهم.

الدفاع المدني ضحية للقصف في سراقب

تعرض مركز الدفاع المدني في سراقب لغارة جوية بشكل مباشر من قبل قوات النظام ما أدى لخروجه عن الخدمة، وإصابة سبعة متطوعين فيه بجروح متوسطة وخفيفة، يقول ليث مدير الدفاع المدني في المدينة “خلال تواجدنا في المدينة لتنفيذ خطة الطوارئ التي اتبعناها للاستجابة سمعنا عبر أجهزة اللاسلكي نداء استغاثة، كان صوت عمر أبو صطيف راصدنا الذي يعمل على رصد حركة الطيران لتنبيه المدنيين يطلب منا إنقاذه ومن معه من تحت الأنقاض”.

يكمل ليث إن المسافة بين فرق الإنقاذ والمركز كانت قريبة، إلا أنه شعر بطول المسافة قبل أن يصل ويعمل رفقة زملائه على إنقاذ المتطوعين، ليتوجهوا جميعهم إلى خارج المدينة، يقول إن اللحظات الأخيرة التي عاشوها في سراقب كانت مع رفاقهم الذين أخرجوهم من تحت الأنقاض، قبل أن تفرغ المدينة من خوذها البيضاء.

جغرافيا السيطرة

يظهر خط سير قوات النظام منذ أيام التقدم باتجاه مدينة سراقب مع تجنب الصدام المباشر داخلها وذلك بالالتفاف حولها ومحاصرتها كما حدث سابقاً في خان شيخون ومعرة النعمان، فبعد تقدم قوات النظام وسيطرتها على خان السبل وجوباس توجهت غرباً إلى قرية الترنبة، ومن ثم قطعت الطريق بين أريحا وسراقب بسيطرتها على قرية النيرب، لتفرض بذلك على سراقب طوقاً يمتد من الغرب إلى الجنوب.

ترافق ذلك التقدم البري مع عشرات الغارات الجوية على المدينة لإفراغها من سكانها، قبل سيطرتها يوم أمس على قرية وتل مرديخ، الحصن الدفاعي الأول للأحياء الجنوبية الشرقية من المدينة، وبذلك بات طريق الإمداد من تل الرمان وحتى مرديخ تحت سيطرة قوات الأسد التي لم يبقى أمامها سوى أراض زراعية مكشوفة تفصلها عن سراقب.

نقاط المراقبة التركية تحيط بسراقب

تصاعدت التصريحات التركية وبدا الخلاف عميقاً وواضحاً بين الحكومة التركية وروسيا حول ما يحدث في إدلب، خاصة بعد استهداف قوات النظام لنقطة مراقبة تركية وقتل ستة جنود فيها، إضافة لإصابة ثلاثة عشر عنصراً آخرين، وهو ما دفع القوات التركية المتواجدة في إدلب لقصف قوات النظام ومواقعه منذ يومين، وبالرغم من الإعلان عن قتل عشرات من قوات الأسد واستهداف مواقعه من قبل القوات التركية، إلا أن الأخيرة نفت ذلك، وتابعت حملتها العسكرية، بل زادت من وتيرة المعارك والقصف، فيما يبدو توجهاً روسياً بتحييد الأتراك وإضعاف ثقلهم السياسي والعسكري في المنطقة.

وكانت الحكومة التركية قد أنشأت أربع نقاط مراقبة لتحيط بمدينة سراقب من كافة الاتجاهات، توزعت هذه النقاط من الجسر الشمالي للمدينة وهي النقطة الأولى، إلى طريق أريحا سراقب عند معمل حميشو وهي النقطة الرابعة التي تم استهدافها، إضافة لنقطة في الحي الشرقي بالقرب من كازية الكناص، وأخرى في صوامع القمح على طريق حلب دمشق في قرية مرديخ.

السيطرة على مرديخ يعني أن النقطة التركية هناك باتت محاصرة، وقللت من التفاؤل برد عسكري تركي يوقف تقدم قوات الأسد وحلفائها، أو التعويل على هذه النقاط في منع سقوط المدينة، وهو ما دفع الكثير من أبناء المدينة للتوجه إلى الجبهات للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم.

عودة إلى السلاح

معظم المقاتلين في سراقب اليوم هم من أبنائها الذين رفضوا مغادرتها، بعضهم يتبع لفصائل عسكرية وآخرون ممن عادوا لحمل السلاح مرة أخرى بعد سنوات من تركه. يقول أبو محمد (أحد أبناء سراقب المقاتلين) إنه لن يترك المدينة، هو مقاتل عسكري وسيدافع عنها حتى الرمق الأخير، شأنه بذلك شأن عشرات المقاتلين الآخرين.

ويخبرنا أبو محمد أن كثيراً من القادة والمقاتلين القدامى والذين تركوا العمل العسكري منذ زمن عادوا إلى جبهات القتال خلال الأيام الماضية، مؤكداً أنهم سيبذلون ما بوسعهم لصد أي هجوم على سراقب، أمهم التي لن يفارقوها كما يقول.

محمود البكور