نزوح السكان من ريف إدلب -فوكس حلب
نزوح السكان من ريف إدلب -فوكس حلب

تمنع السلطات التركية المسيطر الفعلي على منطقة عفرين بناء مخيمات جديدة فيها لإيواء الوافدين من أرياف إدلب وحلب، كما تمنع المسؤولين عن المخيمات القديمة من استقبال الوافدين الجدد، ما دفعهم للجوء إلى الأراضي الزراعية وبناء خيام عشوائية فيها، أو السكن تحت أشجار الزيتون، يترافق ذلك مع شبه انعدام الاستجابة من قبل المنظمات والظروف المناخية القاسية.

وتعتبر منطقة عفرين وجهة رئيسية لكثير من السكان الباحثين عن مكان آمن على خلفية الحملة العسكرية لقوات النظام وحلفائها على أرياف إدلب وحلب، بعد أن ضاقت المناطق الحدودية (شمال إدلب) بالنازحين، إذ وثق منسقو استجابة سوريا نزوح ٢٧٠ ألف شخص خلال شهر كانون الثاني الماضي، سبقهم نحو ١١٨٢٧٧٢ شخصاً خلال العام ٢٠١٩.

تحاول مئات العائلات يومياً البحث عن مأوى في جنديرس (واحدة من بوابات العبور باتجاه عفرين)، يقول من التقيناهم إن تلك مهمة مستحيلة فلم يعد هناك بيوت للإيجار، حتى المنازل غير المجهزة تم استئجارها من قبل الوافدين الذين يقدر عددهم بالآلاف، ما دفع الأهالي لبناء الخيم العشوائية والسكن في غرف المزارعين (مع قلتها).

تركز بناء الخيام في محيط مدينتي عفرين وجنديرس على شكل تكتلات يتراوح عددها بين ثلاثة إلى عشرة خيام، يقول من التقيناهم إنه وفي كل يوم تظهر تجمعات جديدة لم تكن في اليوم السابق، خاصة على الطرقات الرئيسية والفرعية، أو داخل معاصر الزيتون والمساحات الفارغة داخل المدن، وغالباً ما تضم الخيمة أكثر من عائلة، وهو ما يؤكده أبو خالد (وافد من بلدة عينجارة بريف حلب الغربي) والذي قال إنه وسبع عائلات أخرى من البلدة يسكنون الآن في غرفتين بأحد البساتين، يصف حياتهم بـ “غير المناسبة والقاسية”، إلا أنه يفضلها عن السكن في خيمة خلال هذا الشتاء القارص.

من جهته يقول أبو علي (صاحب محل لصناعة وبيع الخيام) إن عشرات العائلات تتوافد إلى محله في كل يوم بحثاً عن خيمة، وإنه وعماله يعملون في الليل والنهار لتلبية الطلبات المتزايدة لإيواء السكان والتخفيف من معاناتهم، ويبلغ سعر الخيمة الواحدة نحو (١٣٠ دولاراً) وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الوافدين، يخبرنا أبو علي أن كثيراً من الوافدين يعرضون ما استطاعوا حمله من أثاث منازلهم للبيع لشراء خيمة ينصبونها في العراء.

بالقرب من دكان أبي علي تقف ثلاث شاحنات تضم ست عائلات مع الحاج أبي محمد الذي تظهر عليه علامات الإرهاق من طول الرحلة، يروي الحاج إنه خرج رفقة عائلته وعائلات أبنائه من ريف إدلب الجنوبي ودخلوا إلى منطقة عفرين بحثاً عن مأوى، إلا أنهم لم يوفقوا حتى اللحظة، يقول إنهم مروا بعدة مخيمات في الطريق لكنهم منعوا من دخولها، وهو يبحث الآن عن صاحب بستان يسمح لهم بنصب خيامهم في أرضه كيلا يبيتون في العراء.

تغيب المجالس المحلية عن أي استجابة طارئة، ويربط القائمون عليها موضوع المخيمات بمنظمة “آفاد التركية” التي ترفض إنشاء مخيمات جديدة، لدواع أمنية حسب ما أفادت به بعض المصادر، واقتصر دور الـ “آفاد” على توزيع ربطة من الخبز على بعض العائلات الوافدة والتي استقرت في محيط المدن والبلدات، في الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة الوافدين الذين يخشون من إخراجهم من الأراضي الزراعية التي نصبوا فيها خيامهم من قبل أصحاب الأرض أو المجالس المحلية، إضافة للظروف الصحية والمعاشية السيئة التي تسببت بها ظروف النزوح مع تناقص درجات الحرارة وغياب الخدمات الإغاثية عن مكان تواجدهم.

وتشهد المنطقة حملات استجابة شعبية من قبل السكان لمساعدة الوافدين الجدد، إلا أنها خطوات فردية لا يمكن لها استيعاب الأعداد الكبيرة للوافدين وتلبية متطلباتهم، بحسب أبو تيم (أحد الناشطين في هذا المجال) والذي قال “لا يوجد منزل فارغ واحد في عفرين” مطالباً المؤسسات الحكومية والمنظمات بإيجاد حل لهم وبناء مخيمات جديدة لاستيعابهم.

ويكمل أبو تيم إن عدداً من العائلات قامت باستضافة بعض الوافدين في منازلهم لتجاوز صدمة النزوح الأولى، بعضهم استضاف أكثر من عائلة واحدة معتبرين ذلك واجباً أخلاقياً وإنسانياً يجب على الجميع المساهمة في تقديمه، واصفاً ما يحدث بـ “الحل المؤقت”، خاصة مع الظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان وندرة المساعدات الإغاثية التي ستفاقم الأعباء على الوافدين والسكان معاً.

أبو بكر (صاحب واحدة من الصيدليات في المنطقة) قال إن الطقس البارد زاد من الأمراض التي يعاني منها الوافدون، خاصة الأطفال الذين يشتكون من نزلات البرد والتهاب القصبات، مؤكداً أن بعض الأشخاص قاموا بالتبرع بثمن أدوية للأطفال لتوزيعه مجاناً في بعض الأماكن، في الوقت الذي لا ينال فيه النازحون زي رعاية صحية في مناطق أخرى.

يجهل من التقيناهم سواء من سكان المنطقة أو الوافدين إليه سبب منع منظمة (آفاد) والسلطات التركية إنشاء مخيمات جديدة تضمهم، والتي من المحتمل في حال إنشائها أن تخدم من قبل بعض المنظمات الإنسانية والإغاثية، لسان حالهم يقول “ما بيرحموا ولا بيخلوا حدا يرحمنا”، ويتساءلون عن دور المجالس المحلية في الاستجابة لشكواهم، وهل بات السكن في المناطق السورية يحتاج لموافقة الحكومة التركية؟