لم تكن أم وليد الوافدة إلى إدلب منذ سنتين تعرف اسم المكان الذي أوت إليه رفقة عائلتها، إلَا أن جاراتها من كبار السن أخبروها أنها تعيش في واحدة من زوايا الوقف بالقرب من خان الشحادين كما يطلق عليه أهالي المدينة أو خان الفقراء الذي بناه محمد باشا الكوبرلي الصدر الأعظم للدولة العثمانية (١٦٥٦-١٦٦١) في القرن السابع عشر، بعد أن نظم المدينة وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه لتضم آنذاك الخانات والأسواق لكل صنعة، إضافة للبيوت السكنية.

زاوية الوقف التي تسكنها أم وليد بالقرن من خان الشحادين في إدلب
زاوية الوقف التي تسكنها أم وليد بالقرن من خان الشحادين في إدلب

بالقرب من الخان الذي اندثرت معالمه، والذي اكتسب اسمه من مهمته التي بني من أجلها، وهي استضافة الفقراء والوافدين ممن لا يملكون القدرة على دفع إيجار السكن في إدلب لليلة أو ليلتين مجاناً، تسكن أم وليد في منزل قديم له فسحة سماوية يتوسطها بئر قديم مغطى بحجر كبير. وفي صدر المنزل غرفة واسعة بسقف مقعر من الداخل على شكل قباب من الجبص الأبيض، تستخدمها أم وليد كمستودع، فهي على حد قولها كبيرة ومعتمة ولا تصلح للسكن.

غرفة القناطر في زاوية الوقف
غرفة القناطر في زاوية الوقف

بينما تسكن السيدة وعائلتها في الغرفة الصغيرة المشمسة، يجاورها درج تآكلت حوافه مع الزمن يوصلك إلى غرفة صغيرة أخرى على السطح وتدعى بـ “العلية”، تقول أم وليد إنها كانت تستخدم كغرفة للأذان منذ زمن قديم، لها قبة حجرية وفي داخلها فتحات وبعض الأحجار الكبيرة التي هدمت مع الزمن.

"العلية" التي كانت تستخدم كغرفة أذان في خان الشحادين
“العلية” التي كانت تستخدم كغرفة أذان في خان الشحادين

تخبرنا أم وليد أن جاراتها من كبيرات السن أخبرنها عن خان الشحادين، وكيف كان بيت من لا بيت له في المدينة، يعبره النزلاء والمسافرون قبل أن يهدم ويبنى عوضاً عنه أبنية طابقية، تقول إن الخانات لو وجدت لكانت ملاذاً اليوم لعشرات النازحين والمهجرين الذين يبحثون عن غرفة تؤويهم بدلاً من الخيام والعراء.

زاوية الوقف والجدار والقوس الذي بقي منها في خان الشحادين
زاوية الوقف والجدار والقوس الذي بقي منها في خان الشحادين

أبو أحمد (رجل سبعيني يملك دكاناً صغيراً بالقرن من خان الشحادين) قال إنه لم يشهد وجود الخان، وأنه سمع به من والده، إلا أن آثاره وبقاياه ما زالت حاضرة، وأشار بيده إلى فسحة صغيرة قال إن الأهالي يطلقون عليها “زاوية الوقف”، كان زوار الخان ونزلاؤه يصلون فيها ويستريحون من عناء السفر، لم يسلم من الزاوية سوى بعض الأحجار المتراكمة يعلوها قوس وحيد، فيما تنتشر الأتربة والحشائش وأكياس القمامة في الساحة المقابلة لها.

البناء الطابقي الذي بني مكان خان الشحادين في إدلب
البناء الطابقي الذي بني مكان خان الشحادين في إدلب

يرسم لنا أبو أحمد من “ذاكرته” الشكل الذي كان عليه الحي سابقاً، يقول إن “بناء من خمسة طوابق حلَ مكان الخان” يرشدنا إليه ويخبرنا أن بوابة الخان كانت تطل على حارة ضيقة توصلك إلى “التكية” ذات القنطرة العالية، كل ذلك لا تراه اليوم سوى في ذاكرة كبار السن.

القناطر الثلاث المتبقية من خان الشحادين في إدلب
القناطر الثلاث المتبقية من خان الشحادين في إدلب

في الساحة “التحتانية” شرق جامع الحجاز تنتصب ثلاث قناطر حجرية كانت لخان الشحادين أيضاً، قبل أن يقسم التوسع العمراني الخان إلى نصفين، تقول أم وليد إن هذه القناطر إضافة لجدار مهدم يقابل المكان الذي تسكن فيه في زاوية الوقف هو كل ما تبقى من معالم الخان القديمة.

بقايا بيوت مهدمة بالقرب من خان الشحادين في إدلب
بقايا بيوت مهدمة بالقرب من خان الشحادين في إدلب

في نهاية القناطر آثار مدمرة لواحد من المنازل القديمة ما تزال أحجاره المتراصة فوق بعضها البعض توحي بذلك، إضافة لجدار يضم نوافذ محدبة الشكل يقول أبو أحمد إنها لشخص من بيت “الصادق” وهي من العائلات القديمة التي سكنت الحي أضافة لعائلات البيطار والمزودة والقطيع..

بقايا منزل قديم في أخر خان الشحادين
بقايا منزل قديم في أخر خان الشحادين

يخبرنا أبو أحمد أيضاً أن مدينة إدلب كانت تضم ثلاث خانات، منها ما كان بطابقين كخان الرز الذي كان يضم نحو أربعين غرفة يقصده التجار والمسافرين من ميسوري الحال وخان أبو علي، إضافة لخان الشحادين الذي كان مقصد الفقراء وبعض المشردين من أبناء المدينة.

المنزل المتبقي في زاوية الوقف بالقرب من خان الشحادين
المنزل المتبقي في زاوية الوقف بالقرب من خان الشحادين

تدفع أم وليد إيجاراً رمزياً مقداره خمسة آلاف ليرة للأوقاف في المدينة كبدل لسكنها، إذ لم يعد في المدينة خانات تلملم ضعف الفقراء في المدينة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الإيجارات إلى حدود يصعب معها الحصول على منزل، إن وجد، في ظل نزوح مئات الآلاف من أرياف إدلب وحلب إلى المدينة.

منيرة بالوش