سيطرت قوات النظام وحلفاؤها يوم أمس الثلاثاء على مدينة معرة النعمان ثاني أكبر المدن في محافظة إدلب بعد تطويقها من كافة الجهات، حيث شهدت المدينة قصفاً جوياً ومدفعياً كثيفاً خلال الماضية، ما أدى لنزوح أكثر من ١٥٠ ألف مدني كانوا يعيشون في المدينة، إضافة لانسحاب فصائل المعارضة بعد معارك عنيفة استمرت لأربعة أيام في المعرة وما حولها.

ترافقت هذه المعارك مع فتح جبهات جديدة من قبل قوات الأسد في ريف إدلب الجنوبي وريفي حلب الجنوبي والغربي، معتمدة على تجنب المواجهة المباشرة في المدن الكبيرة والالتفاف حولها ومحاصرتها، كما حدث في آب الماضي خلال معارك خان شيخون واللطامنة ومورك.

القصة كاملة

بدأت قوات الأسد هجومها البري في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني الحالي بالسيطرة على بلدتي الدير الشرقي ومعرشمارين، حيث استطاعت كسر خط الدفاع الثاني للفصائل المقاتلة والتمدد باتجاه قرى معرشمشة والزعلانة وعين قريع ومحيط وادي الضيف، والالتفاف على قرية تلمنس لترصد بذلك الأوتوستراد الدولي (دمشق -حلب) والمعروف بـ “M5” وقطع طرق الإمداد عن معرة النعمان من الجهتين الشمالية والجنوبية ورصدهما نارياً.

في الوقت نفسه استطاعت قوات النظام السيطرة على تلمنس والتمدد نحو معرشورين والغدفة بعد معارك عنيفة استمرت نحو أسبوعين، ومن ثم التوجه للسيطرة على التلال الحاكمة بالقرب من وادي الضيف، وفي السادس والعشرين من الشهر الجاري استطاعت هذه القوات السيطرة على قرى وبلدات معصران والدانا وبابيلا  لتقطع طرق الإمداد الشمالية عن معرة النعمان، كذلك الحامدية ومعسكرها جنوباً وهو ما أدى لرصد الطريق الشرقي، لتتقدم باتجاه بلدة كفروما الواقعة على طريق معرة النعمان -سهل الغاب والتي خاض أبناؤها معارك عنيفة قبل أن تسيطر عليها قوات الأسد وتحكم قبضتها على ثلاث جهات حول معرة النعمان، لتبقى الجهة الشمالية الغربية هي الطريق الوحيد (المرصود نارياً) الذي يقع تحت سيطرة فصائل المعارضة.

حاولت قوات النظام الدخول إلى معرة النعمان من جهة الأحياء الشمالية والشرقية إلا أنها جوبهت بمقاومة من قبل المقاتلين المدافعين عن المدينة، وكبدتها خسائر كبيرة في العناصر والآليات الثقيلة.

معارك عنيفة وقصف همجي

تصاعدت حدة المعارك في اليوم الثالث من بداية الحملة العسكرية على المعرة، حيث وثقت مراصد محلية ١٩٨ طلعة جوية للطائرات الحربية والمروحية، ومئات القذائف المدفعية والصاروخية على المنطقة، في سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها قوات النظام وروسيا قبل محاولة التقدم البري.

دارت معارك عنيفة في مختلف القرى والبلدات لصد الهجوم الذي فشل في ريفي حلب الغربي والجنوبي، بينما استطاعت القوات المهاجمة التقدم بريف إدلب الجنوبي بعد خسارات كبيرة في العتاد والأرواح، ما أجبره على استقدام تعزيزات عسكرية كبيرة إلى أرياف حلب، وفتح محاور جديدة لتشتيت جهد الفصائل ومنعهم من التوجه نحو ريف إدلب من جهة، ومحاولة السيطرة على قرى وبلدات في هذه الأرياف لضمان سير خطتهم العسكرية بالوصول إلى الطرق الدولية (الهدف الرئيسي من الهجمات الأخيرة).

الحرب النفسية للضغط على المدنيين في المناطق المحررة

أجبر القصف الكثيف مئات الآلاف من المدنيين على النزوح نحو مناطق أكثر أمناً في ريف إدلب الشمالي، أو نحو أرياف حلب الشمالية والشرقية ومنطقة عفرين، إذ وثق منسقو استجابة سوريا نزوح نحو ٦٠ ألف مدني خلال يومي (٢٧-٢٨ من شهر كانون الثاني الحالي)، وأظهرت فيديوهات تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أرتالاً من سيارات النازحين، تم استهدافها من قبل قوات النظام، وسط ظروف جوية قاسية، وفي ظل عدم قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة الطارئة لتلك الأعداد الكبيرة.

وكانت وسائل الإعلام التابعة لنظام الأسد قد بدأت ببث الإشاعات والتهويل ضمن الحرب الإعلامية التي تخوضها، بينما ألقت مروحيات النظام مناشير ورقية تطلب من الأهالي التوجه نحو ما أسمته “المعابر الآمنة” التي تم الإعلان عنها سابقاً للابتعاد عن المعارك التي ستشهدها مناطقهم.

الواقع العسكري اليوم

وضعت الفصائل العسكرية نقاط رباط جديدة حول مدينة معرة النعمان وبلدة كفروما التي خسرتها يوم أمس، وعملت على تعزيز هذه النقاط تجنباً لقضم بلدات جديدة في المنطقة، وتمكنت من استعادة تل دبس شمال شرق معصران الذي سيطرة عليه قوات الأسد ليل أمس، وإفشال محاولة التقدم نحو تل مصيطف.

بينما تتوجه أنظار قوات الأسد نحو خان السبل التي سيطرت على جزء منها وسراقب وقرى ريف حلب الجنوبي، تحاول الفصائل الدفاع عن هذه المناطق ويظهر المجتمع الدولي انشغالاً عن المعارك الدائرة، وإطلاق يد لروسيا وقوات النظام لارتكاب كافة الانتهاكات دون محاسبة أو رد فعل، فيما يكتفي الضامن التركي بالتصريحات الرنانة وبناء نقاط مراقبة جديدة في كل مرة.