بعد هطولات مطرية وافية, وفي ظل الأجواء الضبابية الكثيفة التي يخالطها بعض الدفء، ينطلق صلاح ورفاقه صباحا في رحلة البحث عن الفطر، بين أحراش كفرنبل وجبل الزاوية، ليحلوا هناك مع إشراقة الشمس، وهو الوقت الأنسب للبحث عن أقراص الفطر قبل أن يصل غيرهم من الراغبين بوجبة فطر من تلك الأحراش، وبالتالي تقل المرابح التي يطمعون بالحصول عليها.
زادت فرصة الحصول على الفطر في أحراش كفرنبل وجبل الزاوية، وخاصة بعد تهجير غالبية الأهالي شمالا هربا من آلة القصف، ما دفع العديد من الشبان الذين تبقوا في تلك المناطق لاتخاذ تلك المهنة مصدراً للرزق، من خلال جمعه وإرساله للبيع في المناطق الشمالية.
 

يعرف صلاح جيدا أين يجد أقراص الفطر، التي قد يمر غيره بقربها دون أن يلحظها، فهو يفتخر بحفظه لمطالع الفطر الموجودة في المنطقة، والتي اعتاد زيارتها في كل عام.
يرى صلاح أن العثور على الفطر يحتاج لخبرة في إيجاده ومعرفة بأنواعه لتمييز صالحها من السام.
يقلب صلاح خشاش الأرض وأراق التين المتساقط قرب جذع عفن، ويبدأ بجمع الأقراص التي وجدها، ” أكوس أنواع الفطر بتلاقيها هون”.

ليغيظ صديقه سعيد الذي يرى أن الموضوع لا يتعدى ضربة حظ، وأن حظه لطالما خالفه بقصة العثور على الفطر، رغم معرفته الجيدة بأماكن نموه.
مبررا رأيه بقوله” عندما أذهب مع رفاقي للبحث عن الفطر أقوم بدعس ثمار الفطر بقدمي دون أن أراها وعندما أعود مع رفاقي من رحلة البحث أعود خالي اليدين باستثناء القليل من الفطر السام  في حين يعودون وقد حظي كل منهم بأكثر من كيلو غرام من الفطر”

ويضيف ضاحكا “لا ينتابني من رحلة البحث الطويلة سوى المشي والتعب ومطاردتي من قبل الكلاب البرية “.

يعتبر الفطر من المحاصيل الموسمية حيث ينتظره الأهالي مع بداية كل شتاء ليزين موائدهم.
يجد صلاح في جمع الفطر فرصة عمل مناسبة, ومصدر دخل جيد، لاسيما بعد انقطاعه فترة عن العمل نتيجة الأوضاع الأمنية، يجمع صلاح ما بين 2-4 كغ من الفطر بحسب المناخ المتوفر، ويرسله للبيع في المناطق الشمالية بأسعار تتراوح ما بين 1000- 1200 ليرة للكيلو غرام بحسب جودته، ليشكل هذا المبلغ دخلا مناسبا لعائلته هذه الأيام.

يقول الخبير الزراعي عباس العلي: “ينمو الفطر عن طريق اندثار أبواغ دقيقة شبيهة بخيوط العنكبوت، في الجو عبر تيارات الهواء حيث تندثر تلك الأبواغ بفعل تيارات الهواء، وتجد بيئتها المناسبة في الأتربة التي تكثر فيها المواد العضوية، مثل روث الحيوانات وأوراق الأشجار والأعشاب المتعفنة”.
ويضيف العلي: “إن للفطر أنواع عدة، منها السام ومنها الصالح، حيث يعتمد تمييزها على شكل ولون الفطر، بالإضافة لشكل الساق، وتلعب الخبرة الدور الأبرز في تمييز تلك الأنواع، ومن أشهر الأسماء المعروفة في مناطقنا “الأكاروكس” و”البلوروتس”.

تنتشر في الأسواق أنواع عديدة للفطر مثل فطر المزارع والفطر المعلب، لكن الفطر البري ينال حظوة لدى الأهالي أكثر من غيره، حيث تميزه نكهة خاصة، تختلف بشكل كبير عن باقي الأنواع، ويعتبره الأهالي وجبة غنية بالبروتين، قد تعوضهن عن اللحوم التي يعجزون عن شرائها، لاحتوائه على نسبة عالية من البروتينات بالإضافة إلى مضادات الأكسدة والفيتامينات وخاصة فيتامين. د. والمعادن مثل الحديد والمنغنيز، ما يجعله عنصراً غذائياً مهماً، يمكن استعماله في العديد من الوجبات الموجودة على مائدة السوريين.

حسن الحسين