ما تزال أعداد الجرحى والمصابين في سوريا تتزايد يوماً بعد يوم، ليتحول معظمها إلى أرقام تنسى بعد تقديم العلاج الطارئ الإسعافي أو التداخل الجراحي، دون الوقوف على أهمية العلاج بعد الجراحي أو ما يطلق عليه “العلاج الفيزيائي” لمساعدة المصابين على التعافي والحيلولة دون حدوث مضاعفات طبية على المدى القصير، أو إعاقات نفسية وجسدية لاحقاً.

وتبذل بعض المراكز التطوعية في الشمال السوري جهوداً تطوعية مضاعفة لمساعدة المصابين، وتوفير الرعاية الصحية والعلاج الفيزيائي، خاصة للنساء اللواتي لا يملكن القدرة المادية لمتابعة العلاج، كذلك تقدم النساء المتطوعات العلاج الفيزيائي المنزلي للنساء المعيلات وغير القادرات على الوصول إلى المراكز المختصة بسبب بعد المسافة وغلاء أجور النقل.

فادية حسانة (واحدة من نساء ريف إدلب الجنوبي) اتجهت نحو العمل التطوعي في العلاج الفيزيائي منذ العام ٢٠١٢، وما تزال مستمرة به حتى اللحظة بعد أن تركت عملها في المركز الذي اعتادت العمل به في مدينة حلب، تقول إنها اتجهت نحو مناطق المعارضة لتقديم خدمات العلاج الفيزيائي للنساء اللواتي يعانين من الإصابات، والوقوف إلى جانبهم لإدراكها لأهمية ما تقوم العلاج بعد الجراحي وأثره على حياة المرضى الجسدية والنفسية.

تواظب فادية على عملها رغم المعوقات التي تعترضها من نقص في المعدات والأجهزة اللازمة وتحمل نقد المجتمع لفكرة الزيارات الميدانية التي تقوم بها لتقديم خدمات العلاج للنساء والأطفال في المنازل، مؤكدة أن العلاج الفيزيائي يمثل الحلقة الثالثة من سلسلة دعم الحياة، فبعد الإصابة يتم تقديم الإسعاف الأولي للمصاب ومن ثم يخضع لعمل جراحي، وبعد عملية الاستشفاء يخضع المصاب للعلاج الفيزيائي للتخلص من “عقابيل الأذية” والتي تكون على شكل “تحددات حركية ومشاكل عصبية وتشنجات عضلية وتشوهات مفصلية”.

تنصح فادية بضرورة دخول النساء في هذا المجال لتقدم المساعدة والتوعية حول ضرورة العلاج الفيزيائي، وكذلك الالتزام بالخطة العلاجية الموضوعة من قبل فنية المعالجة، وتحض المصابات على تنفيذ الأنشطة بجرأة ودون خجل، وتقول إنها سعيدة بما تقوم به، حين تصبح عوناً للمصابات في الخروج من حالة الإعاقة، بينما تشترط للوصول إلى النتيجة المرجوة الإخلاص والتفاني مع وضع برنامج وخطط تتضمن جلسات وأنشطة وتنفيذها بالشكل الأمثل.

سميحة الأحمد (وافدة من سهل الغاب ٣١ عاماً) واحدة من مئات النساء اللاتي تأثرت حياتهن نتيجة الحرب، تقول إنها وبعد إصابتها بـ “جلطة دماغية” خلال هروبها من قريتها أثناء المعارك فقدت القدرة على الحركة بعد تعرضها “لخزل شقي في الطرف الأيمن”، وباتت تحتاج للمساعدة في الحصول على أبسط احتياجاتها اليومية، ما أثر على حالتها النفسية.

تخبرنا سميحة أنها بدأت رحلة العلاج الفيزيائي في المركز الصحي الذي تقوم عليه بعض المتطوعات ومنهم فادية، وأنها بحثت كثيراً عن مركز تديره النساء تجنباً للحرج من جهة، ولحاجتها لامرأة تتفهم شعورها من ناحية أخرى.

تضمنت الخطة العلاجية بعض التمارين الرياضية والالتزام بالحركات، كذلك تطبيق للعلاج بالأجهزة والنبضات الكهربائية وأدوات الرياضة للعلاج الحركي، تقول سميحة إنها اضطرت لإيقاف العلاج بسبب بعدها عن المركز، فتحملت فادية عبء متابعتها في المنزل من خلال زيارات دورية لتتابع علاجها الذي تكلل بالنجاح واستعادتها للقدرة على المشي بمساعدة بعض الأجهزة التي قدمتها واحدة من المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة.

رانيا الحسين اضطرت هي الأخرى لإيقاف جلسات العلاج بسبب غلاء أجور النقل وبعد المسافة، إضافة لعدم قدرتها على الذهاب إلى المركز بمفردها ما تسبب بغيابها عن بعض الجلسات، تقول إن النساء المتطوعات قدمن لها العلاج في منزلها من خلال جلسات محددة ومنتظمة، وهي تشعر الآن بتحسن كبير في صحتها الجسدية والنفسية.

لا تملَ فادية من إكمال الدور الذي بدأته منذ نحو ثمان سنوات، تقول إن هناك رسالة لا بد من إيصالها، وترى في العمل التطوعي الذي تقوم به رفقة زميلاتها ضرورة تسم حياتها باللذة والسعادة في كل مرة يستطعن مساعدة واحدة من المصابات اللاتي ازدادت أعدادهن في الآونة الأخيرة، وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان والتي قرت عدد المصابين في سوريا منذ عام ٢٠١١ وحتى العام الحالي بنحو مليون ومئة ألف شخص، ٤٥٪ منهم نساء وأطفال، وتزيد نسبة الإصابات التي تحولت لإعاقة أو بتور عن ١٠٪ من العدد الكلي.