منذ أيام توقف صفحة الفيس بوك خاصتنا، كانت تضم مئات العناوين والتقارير والتحقيقات والصور التي وثقت الثورة السورية عامة، وحلب بشكل خاص، رافقها توقف مفاجئ لجهاز الكمبيوتر خاصتي، هو الآخر كان يحتوي على أرشيف هذه المواد نفسها، إضافة لصور ومواد لم تنشر بعد.

لم تعد الذاكرة تتسع لتلك التواريخ التي بدأت تضيع ملامحها في زحمة كل شيء، شوارع انقطعت عنها سبل العودة، بيوت تهدمت وأخرى احتلت أو عفشت، صور لوجوه غابت تحت برد المقابر بعد أن غيبها الموت، وأخرى نزحت أو هاجرت وضاعت أرقامها مع تحول الهواتف المحمولة إلى عقل يتسع لنا نعود إليه في كل لحظة حنين، ومع كل تغيير لها كان تنقص أيامنا في لحظات “غير مهمة” نرتبها بحسب سلم الأولويات، أو كلما غص كرت الذاكرة وطلب منا برسالة باردة إفراغ بعض أرواحنا من أشيائها الكثيرة.

تحولنا دون رغبة منا إلى “سحابات الكترونية” معرضة للتلف، ننقلها مراراً على “هاردات” خارجية، يجيبنا بعض العارفين بالتقنية الحديثة بوجوب أن نحجز مكاناً لنا في العالم الافتراضي، العالم المستباح والذي تتحكم به تقنيات لا تجيد التقاط الرائحة، وتفهم جيداً بحساب المساحة.

لحظة واحدة بإمكانها أن تلغي عمراً كاملاً، طفل صغير يعبث بهاتف والدته علَه يسكت من نوبة بكاء حادة، انفعال حاد تجاه حدث يستوجب الشتم والحذف لكل ما هو أمامك، سقوط ذاكرتك في كأس ماء. أن يسرق أحدهم هاتفك ليبيعه في سوق الخردة بعد أن يعيد ضبط المصنع ليعود كما “ولدته أمه”. أنت مرهون بكل ذلك للحفاظ على ما تبقى منك.

الأوراق المتناثرة هنا وهناك والتي حملناها معنا في نزوحنا المتكرر، ملاحظات وهوامش وتواريخ نحاول جاهدين ترتيبها كلما أسعفنا الوقت لندخل في نوبة اشتياق، وبعد ساعات من الغوص فيها نعيد وضعها كيفما اتفق في كيس آخر، ودون ترتيب أيضاً، بعد أن نؤجل ترتيب حياتنا ليوم آخر.

تراهن الديكتاتورية على النسيان، يساعدها في ذلك كثرة واختلاط الأيام التي عشناها، أحياناً وربما دائماً نختلف حول مشهد واحد. “تتذكر” نبدأ أي حديث مع صديق قديم أو عابر سبيل يحمل لغتنا ذاتها ووجعنا نفسه، يجاملك بـ “إي”، ويحاول جاهداً أن يوافقك الرأي دون جدوى، قبل أن يعيد عليك الجملة ذاتها “تتذكر” مرة أخرى، وعليك وقتها أن ترد الدين وتهز رأسك بالموافقة.

أحاول مراراً الاستعانة بعمنا “جوجل” لاستعادة شارع ما في المدينة القديمة، أو حدث أو انتهاك، تصلك عشرات الفيديوهات المحذوفة وصور لصفحات هجرها أصحابها أو تركوها للغبار يعلوها، أرسل رسالة علَ في الطرف المقابل من يرد الصوت، كمية الفرح التي تنتابني عند رؤية النقاط التي توحي بأن أصابعاً ما تكتب على الكيبورد، يوازيها ويزيد عنها شعور بالإحباط وأنا أراجع عشرات الرسائل اليتيمة المعلقة.

ينتهي اليوم عام جديد من عمر الثورة السورية، أكبر اليائسين لم يكن ليتوقع دخولنا فيه بكل تلك الخيبات، عام خسرنا فيه الكثير من المناطق والأراضي والأوراق السياسية، عام سقط فيه الساروت شهيداً، وخان شيخون محتلة ومعرة النعمان جريحة، زادت أعداد النازحين نحو مليون شخص آخر حجزوا لأنفسهم أماكن في الخيام أو العراء، آلاف القتلى والجرحى، مئات المدارس والمشافي والمرافق العامة التي خرجت عن الخدمة، آلاف اللاجئين إلى أوروبا أيضاً، وواقع بائس للاجئين في تركيا، توقف الدعم عن المدارس وانحسر عمل المنظمات الإنسانية والطبية والإغاثية. ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وخسرت الليرة السورية نحو ٨٣٪ من قيمتها.

نحتاج اليوم أكثر من أي يوم مضى لنوثق ذاكرتنا، تزداد الهوة بين ما نعرف وما ننسى، نحتاج أن نجمع كل تلك الجرائم والانتهاكات والصور والفيديوهات والذكريات والبيوت والأشجار وينابيع المياه من جديد، أن نحفظها من الموت لنحاسب مرتكبيها وجزاريها، أو على الأقل لنعود إليها في كل مرة يجذبنا اليأس ونستسلم فيه للكآبة علنا نفيق من الصدمة ونبدأ من جديد.