الصورة من الانترنيت
الصورة من الانترنيت

تغيَب نادر (تسع سنوات) عن الدورة التعليمية التي تقوم عليها المدرسَة أسماء، بعد مواظبته على الحضور في الأيام السابقة، ذلك قبل أن يطرق باب بيت ليطلب مساعدة مالية من سكانه، ليكتشف أنه منزل مدرسَته ويختفي في شوارع أطمة بريف إدلب الشمالي، دون أن تفلح نداءات أسماء له بالعودة، خاصة مع نظرة الدهشة التي اعتلت وجهيهما في تلك اللحظة.

تقول أسماء إنها تشعر بـ “تأنيب الضمير” تجاه ما حدث، وإنها لم تستطع النوم في تلك الليلة وهي تفكر في بُعد المدرسين عن معرفة ظروف طلابهم. كل ما استطاعت الوصول إليه من خلال سؤالها عن نادر أنه يعيش في أحد مخيمات أطمة، مع والده وزوجة والده في ظروف شديدة القسوة، بعد وفاة والدته.

في ظروف مشابهة يروي فراس وهو مدير لأحد المراكز التي تقدم المساعدة للأطفال في مخيمات مارع بريف حلب الشمالي قصة ثلاثة أخوة لا يتجاوز عمر أكبرهم عشر سنوات، كانوا دائمي الإلحاح والطلب للحصول على مساعدات إضافية من المركز كالحقائب والقرطاسية والألعاب، وخاصة مأكولات الأطفال، قبل أن يتطور الأمر ليتكرر طلبهم للمال من المشرفين.

يقول فراس إنه رأى الأخوة الثلاث يبيعون هذه المأكولات في شوارع مدينة مارع، وهو ما زاد من تأثره، فغالباً ما يتغيبون عن حضور الأنشطة في المركز باستثناء يوم توزيع الهدايا، ويشعر بالخطر من امتهان الأطفال للتسول.

بات مشهد وجود الأطفال الذين يمتهنون التسول أو بيع بعض علب البسكويت لاستعطاف المارة اعتيادياً في المدينة، يكمل فراس، ويفرق بين حالة الأخوة الثلاث ومشهد طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة كان قد عرض عليه ترك باقي المبلغ الذي قدمه له كثمن للخضار التي اشتراها منه، إلا أنه رفض ذلك مشيراً إلى جبينه، فهو لا “يأكل إلا من عرق جبينه”، الإشارة كانت واضحة والرسالة التي أوصلها كانت مثار إعجاب ودهشة فراس، بحسب قوله.

إهمال مؤسساتي لظاهرة طلب الأطفال للمساعدة

يقتصر دور المركز الذي تشرف عليه أسماء على الدورات التعليمية، مهملين الدخول إلى حياة الأطفال وأوضاعهم الاجتماعية والإنسانية ومساعدتهم لحلها، تقول أسماء إن التقصير هو ما منعها من معرفة ما يمر به الطفل نادر لتداركه، حاله كحال مئات الأطفال مع غياب شبه كامل للمؤسسات التي تعنى بهذا الجانب المهم من حياة الأطفال في مختلف مناطق المعارضة.

من جهته يقول فراس إن المشاريع التي تعنى بحماية الطفل محدودة ومقيدة بزمن وكلفة، ما يجعل من احتمالية مساعدة هؤلاء الأطفال أمراً شبه مستحيل، لما يتطلبه من متابعة واستمرار ومستلزمات تبعدهم عن حياة التسول واستجداء المارة.

لا يلقي فراس اللوم في تلك الظاهرة على أحد، الأطفال ضحايا، وأهاليهم أيضاً في ظل ما تعيشه المنطقة من تردَ اقتصادي، أما المنظمات فلا يمكن لها تبني مثل هذه المشاريع المكلفة والتي تحتاج لدعم دولي لإحداث تغيير في حياة الأطفال.

وعن تفشي هذه الظاهرة يرى حسن (نائب مدير في أحد المخيمات سابقاً) أن السبب الرئيسي لانتشارها يكمن في انعدام فرص العمل وانخفاض دخل الفرد مع ارتفاع الأسعار، وهو ما دفع الأهالي للمساح لأبنائهم بطلب المساعدة، خاصة من العاملين في المنظمات. كذلك توقف عدد كبير من المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق المعارضة، ومنعها من ترخيص عملها والدخول إلى المخيمات، خاصة الصغيرة منها، بسبب الشروط التي فرضتها السلطات التركية، ما حرم أعداداً كبيرة من المستفيدين من المساعدات الشهرية التي كانت تغطي جزء من احتياجاتهم، كل ذلك انعكس على حياة الأطفال وقبول الأهالي ببعض الأشياء التي كانت مرفوضة في المجتمع، كعمالة الأطفال وطلبهم للمساعدة، وصولاً لامتهان التسول.

موظفو المنظمات حلم قصص الأطفال

يخبرنا فيصل وهو مدرس في واحدة من مدارس مخيم دير بلَوط، والذي اعتاد أن يروي لأطفاله حكاية قبل النوم يومياً، إنهم غالباً ما يطلبون منه حكاية محددة تتحدث عن إنقاذ الأميرة في نهايتها، حيث تقام “الأفراح والاحتفالات”، ويسعفهم خيالهم للربط بين هذه الاحتفالات وما يقوم به فريق ملهم التطوعي في حفلات الأعياد بالمخيم، ويربطون بين أبطال الرواية وأسماء عناصر الفريق، وغالباً ما يطلقون أسماءهم على الحكاية.

يشرح فيصل أن أطفاله يشعرون بـ “الانتصار” في كل مرة يستطيعون فيها الدمج بين الواقع والخيال، ويرجع ذلك للنقص والحرمان الذي يعانيه أطفال المخيمات من وسائل الترفيه والأنشطة والألعاب والحدائق.

ويرى فيصل أن تلك الفجوة بين النقص ومتطلبات الطفل، مع تساهل الآباء بتنمية القيم الأخلاقية والكبرياء لدى الطفل، تدفع الأطفال إلى “اللامبالاة، واستسهال الطلب من الآخرين”، ما سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة التسول. وقد يتعدى ذلك، من خلال حياة هؤلاء الأطفال في الشارع واحتكاكهم ببعض الأشخاص السيئين، إلى الإدمان على بعض المواد المخدرة، والتي تنتشر اليوم في المخيمات كـ “الشعلة والبنزين والتنر”، أو دخولهم في عالم السرقة والجريمة، وتعرضهم للابتزاز أو التحرش الجنسي.

لا فرق بين استدرار العاطفة والتسول

لا يفرق المرشد النفسي أحمد الحسين بين استدرار العاطفة والتسول، ويعتبر الإلحاح بطلب المساعدة تسولاً، وذلك بحسب ما اتفق عليه علم النفس من تعريف التسول بـ “طلب المساعدة والمعونة من الناس باستعمال وسائل وطرق متعددة ومختلفة، الأساس فيها هو محاولة استمالة عطف وشفقة الآخرين، بغية الحصول على مساعدتهم المالية أو العينية، والمتمثلة في مختلف الأطعمة والألبسة وغيرها من الأشياء والحاجات ذات القيمة النفعية”

وعن الآثار النفسية على الأطفال يقول الحسين: من الطبيعي أن يترك الاعتياد على طلب المساعدة آثاراً نفسية على الطفل والمجتمع، ولكن هذه الآثار لا يمكن ضبطها إلا وفق دراسة منهجية تحليلية لهذه الظاهرة، ومع الأسف لا يوجد من قام بمثل هذه الدراسة في مناطقنا حتى اللحظة، غالباً ما يدفع التعاطف والحالة الدينية الفطرية لتشجيع هذا الاعتياد من خلال تقديم المساعدة، كذلك الظروف الاجتماعية (فقر -بطالة -تفكك أسري..)، وهو ما يشجع على قتل الهدف والطموح لدى الطفل من خلال الاستسهال في الحصول على المال أو المعيشة كذلك  تعرضه للاستغلال والابتزاز من قبل بعض الأشخاص والتحرش أيضاً وهو ما سيؤثر حتماً على بنيته النفسية، إضافة إلى نمو ظاهرة العداء عند الطفل والذي قد تدفعه نحو السرقة على سبيل المثال أو ارتكاب جرم مع تنامي نظرة الحقد لديه تجاه المجتمع.

وعن نظرة بعض الأهالي لما يقوم به الأطفال من طلب المساعدة من عمال المنظمات باعتباره طلباً لحقهم المسروق من قبل المنظمات يقول الحسين إنه لا يمكن في حال من الأحوال تقديم مبرر للأهالي في ما يلجؤون إليه من تشويه لنفسية الطفل، وتدريبه على امتهان ظاهرة الإلحاح بالطلب أو التسول، ولا يتم هذا الأمر من خلال استدرار العطف والشفقة بل من خلال قنوات رسمية، الطفل يشعر بالخجل والكرامة أيضاً شأنه شأن البالغ ولا يمكن تجاهل ذلك مطلقاً، هو ليس أداة، وعليه، يجب مناقشة الطفل في هذه القضايا بمبدأ أخلاقي وليس بمبدأ “الشطارة” المتبع.

ويرى الحسين أن الحلول تبدأ من الدراسات الإحصائية والمنهجية، كذلك المقارنة مع تجارب ودراسات ناجحة في البلدان الأخرى للحد من هذه الظاهرة. التعليم والالتزام بمقاعد الدراسة مع قوانين صارمة بهذا المجال يكون أول الحلول، إضافة لجمعيات تقوم بندوات ودورات توعوية للأطفال والأهالي. وتفعيل دور الإعلام، فمعظم التقارير الإعلامية تسلط الضوء على المشكلة كحالة تعاطف، وذلك لن يجدي نفعاً على حد قوله، إذ يجب ان يكون الدور الإعلامي مدروساً بعناية، من خلال التقارير البسيطة عن المخاطر والرسوم الكاريكاتورية والصور وكذلك استضافة الخبراء والتركيز على الحل لا المشكلة.

تظهر إحصائية صادرة عن منظمة اليونيسيف في شهر آب/أغسطس الماضي، أن أكثر من 2 مليون طفل –أي أكثر من ثلث الأطفال السوريين- هم خارج المدرسة، ويواجه 1.3مليون طفل خطر التسرب من المدرسة، بينما يعيش أربعة من بين خمسة أشخاص تحت خط الفقر، مما يدفع الأطفال إلى اتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة، في حين يعاني 6.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي مما يدفع الأطفال إلى مساعدة عائلاتهم من خلال “عمالة الأطفال والزواج المبكر والتسول”

فداء الصالح