الصورة لاستهداف سوق الخضار في معرة النعمان -إنترنيت
الصورة لاستهداف سوق الخضار في معرة النعمان -إنترنيت

لم يتوقف استهداف الأسواق الشعبية من قبل قوات الأسد وحلفائها منذ عام ٢٠١٢، كذلك النقاط الطبية والمدارس والمرافق العامة، مخلفةً عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، وشللاً في الحياة العامة يزيد من حركة النزوح الداخلي والتهجير القسري عن المناطق التي يتم التركيز عليها بهدف تفريغها من سكانها من جهة، وإفقاد الفصائل العسكرية للحاضنة الشعبية من جهة أخرى، والضغط عليها لتحصيل مكاسب سياسية وعسكرية مقابل تجنيب المواطنين خطر القصف والموت والتهجير.

آخر مجازر الأسواق

تعرض سوق الألبسة في بلدة بليون بريف إدلب الجنوبي لغارة جوية بصاروخين فراغين في السابع من كانون الأول الحالي، أدى لقتل عشرة مدنيين، وإصابة العشرات من السكان، بحسب ما وثقت فرق الإنقاذ والدفاع المدني، ونقلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن استهداف السوق كان من خلال طيران ثابت الجناح يعتقد أنه روسي، بينما أكدت المراصد التي تتبع حركة الطيران في المنطقة أن طائرة حربية روسية هي من قصفت سوق البلدة.

سبق استهداف سوق الألبسة في بليون، تعرض سوقي سراقب ومعرة النعمان لغارات جوية في الثاني من كانون الأول الحالي، مخلفة عدداً من الضحايا والجرحى، ففي سراقب (شرق إدلب) قامت طائرة حربية تتبع لقوات النظام باستهداف سوق الهال ما أدى لقتل مدني وإصابة خمسة أشخاص، وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف السوق، بحسب الناشط محمد البكور (من أبناء مدينة سراقب) الذي قال إن الطيران الحربي الروسي والسوري استهدف الأسواق الشعبية في المدينة أربع مرات في الحملة الأخيرة، قتل فيها سبعة مدنيين وجرح العشرات من أبناء المدينة.

بينما قامت طائرة سورية من نوع (سوخوي ٢٢) باستهداف سوق الخضار في معرة النعمان مخلفة تسعة قتلى من المدنيين وإصابة نحو سبعة عشر شخصاً أخرين، في الثاني من كانون الأول الحالي، بحسب الناشط (أحمد الجربان) من أبناء المدينة، وما تداولته وسائل الإعلام والمصادر المفتوحة من صور وفيديوهات لوقت الاستهداف، وما وثقته فرق الدفاع المدني والمشفى المركزي في المدينة.

سبق استهداف سوق الخضار في المعرة، استهداف السوق الشعبي الكبير بغارات متكررة روسية في الثاني والعشرين من تموز الماضي، أدت لقتل واحد وأربعين شخصاً، وإصابة نحو مئة آخرين، وأضرار جسيمة في البنى التحتية للمحلات التجارية، بحسب المصادر المفتوحة. كذلك استهداف سوق الكورنيش في المعرة عدة مرات، بالغارات الجوية والقذائف المدفعية مخلفة عدداً من القتلى والجرحى.

قطع شريان الحياة

تبتعد الأسواق الشعبية المستهدفة عن أي نقاط عسكرية، وهي مناطق معروفة الموقع بالنسبة لقوات النظام، معظمها يعود زمن إنشائه لسنوات قبل الثورة السورية، ما يجعل من قصفها استهدافاً مباشراً وجريمة حرب جديدة تضاف إلى جرائم قوات الأسد وروسيا المرتكبة بحق المدنيين السوريين في مناطق المعارضة.

وتشكل هذه الأسواق شريان الحياة للمدن والبلدات ومصدر عيش للكثير من السكان، من خلال عملية الشراء والبيع، إذ تعد هذه الأسواق مكاناً لتصريف المحاصيل الزراعية للفلاحين (معظم السكان في الشمال السوري يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل وحيد)، إضافة لتلبية حاجة المحلات التجارية المتفرقة في المنطقة والسكان من المواد والسلع.

يقول محمود أبو راس (ناشط مدني) إن قصف الأسواق يتم بهدف قتل أكبر عدد ممكن من الأهالي وتدمير المنشآت التجارية، ويرى أن النظام وروسيا يريدان توجيه رسالة إلى السكان مفادها “انتهاء الحياة في هذه المدينة أو تلك، بتدمير أسواقها ومرافقها الصحية والعامة”.

يعتبر أبو رأس أن الأمور باتت واضحة، إذ أن السياسة الروسية في معركة إدلب تعتمد على تفريغ أي منطقة تود شن حملة عليها، عبر قصف كثيف يقتل كل ملامح الحياة، ويجبر الأهالي على النزوح، وهذا ما فعلته في كل المناطق التي قضمتها مؤخراً، يوافق هذا الرأي أراء العديد من سكان إدلب، إذ بات العديد من السكان يستشرفون المستقبل من خلال الانتباه لتطبيق هذه السياسة، ويعتبرون أن المناطق التي تتعرض لهذا الانتهاك مهددة بعمليات عسكرية لاحقة.

الأسواق مستمرة والثمن مزيد من الدماء

عجزت إرشادات التحذير عن منع الناس من التوجه للأسواق، أو الامتناع عن التجمعات الشعبية، وكثيراً ما يعاود السوق نشاطه بعد ساعات من الاستهداف، كما حدث عدة مرات بأسواق معرة النعمان وغيرها.

يقول من التقيناهم “لا يمكن التخلي عن الأسواق، علينا إطعام أطفالنا أيَاً كان الثمن”، مؤكدين على استمرارهم في فتح المحلات التجارية وترميمها وارتياد الأسواق، فـ “الطائرات لا تستثني مكاناً، سوق أو بيت أو مدرسة”، ومع ضعف الخيارات المتاحة للانتقال نحو مناطق أكثر أمناً لا يجدون سوى الاستمرار الذي يدفعون ثمنه من “دمائهم” على حد قولهم.

يغيب المجتمع الدولي، خاصة الضامنين ورعاة الحل السياسي في أستانا وسوتشي عن المشهد السوري الذي تفاقمت معاناة سكانه خلال الأسابيع الأخيرة، والذي أجبر عشرات الآلاف من السكان في ريف إدلب الجنوبي على النزوح، بينما ينتظر من بقي في المدن والبلدات هناك حظه في النجاة من القصف والموت.