“الحزن الذي رافق معظم البيوت خلال السنوات الماضية من الثورة السورية يحرَض الأمهات على البقاء قيد الذاكرة لعدم النسيان” تقول “أم سامر” الوافدة من حمص إلى ريف إدلب الجنوبي إنها ما تزال تشعر بحرارة الدماء أسفل قدميها وتسارع في نبضات قلبها كلما سمعت صوت طائرة في السماء، لتعيد تقليب نظرات الوداع على أطفالها الخمسة الذين فقدتهم هناك.

العاطفة ليست ضعفاً تركن من خلالها المرأة السورية للاستلام، تخبرنا أم سامر إن عاطفة النساء فتيل الثورة، فلا مجال للتراجع، “في كل بيت قصة وغصة” تكمل وهي تشير إلينا بسبابتها “مخطى من يظن أننا لن ننتصر، لا أحد ينتصر على ذاكرة الأمهات”.

تستعير أم سامر من حزنها ما يدفعها للاستمرار، تخوض في نقاشات سياسية ترى أنها وأمهات كثيرات غيرها الأحق بها، هنَ اللواتي فقدن أطفالهن أو اعتقلوا في سجون الأسد، هنَ أيضاً من تركن بيوتهن وشتلات الورد، هنَ من شُتمن وبهنَ كان يُشتم أزواجهن وأبناؤهن وآباؤهن، لم تعد “للحيطان آذان”، لم يعد هناك جدران في الأصل تكتم أصواتهن، كذلك دورهن بالعمل السياسي طالما أن الخسارة الأكبر وقعت على عاتقهن.

“يافا” السيدة الحموية التي اعتقلت في سجون الأسد بعد مشاركتها في المظاهرات الأولى، وفصلت من وظيفتها نتيجة لذلك، واضطرت للنزوح إلى إدلب تقول إن مفاصل حياة المرأة السورية تفرض عليها عدم القبول بدور هامشي في الحياة السياسية، هي شريكة الألم والأمل معاً، دفعت في سبيل ذلك كل ما تملك.

لم تأخذ المرأة السورية مكانها الحقيقي في الثورة، أضيء عليها في وسائل التواصل الاجتماعي كرمز في بعض الأحيان، وكقصة إنسانية في أوقات أخرى، تظهر وكأنها “وقود” لاستدرار العطف، وما يمنح لها بالرغم من “ندرته” من إشراك في أي عمل سياسي أو خدمي “منة”، أو في حال كان وجودها شرطاً لاستمرار الدعم تقول انتصار التي تتساءل عن سبب إظهار المرأة بحالة ضعف، وتصدير ضعفها هذا ليترسخ كقناعة حتى عند النساء أنفسهن.

وتضيف انتصار إنها تشعر بالسوء لعدم تمثيل المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية، غالباً ما يعطى لها مكاتب تخص شؤون المرأة لينحصر وجودها في الأشياء التي يمنحها إياها المجتمع وأعرافه وقوانينه، أما في المواقع الإخبارية فهي “لازمة من بينهم”، لتقترن دوماً بالأطفال، وكأن الثورة كانت حدثاً طارئاً تدفع النساء جزء من ثمنه، دون قناعة، هي إذن سورية بقدر أقل من غيرها، ومستضعفة وغير قادرة إلا على دفع ما يجب أن يتعاطَف معه.

رهام المصطفى التي اعتقلت بسبب نشاطها في الجانب الصحي، قالت إن دورها وغيرها من النساء ترافق مع بداية الثورة السورية ليأخذ شكل الإيمان بالقضية، لا ردود أفعال عليها، هي اختارت أن تكون مسعفة ومشاركة في المظاهرات وكتابة اللافتات، كذلك ناشطة في العمل المدني والإنساني والسياسي.

تكمل المصطفى أن تجربة الاعتقال كانت كفيلة بنضوج وعيها السياسي، حرمانها من طفلتها الرضيعة خلال فترة الاعتقال كان كفيلاً بتعزيز قدرتها على شرح الظلم الواقع على السوريين، ناهيك عن أصوات تعذيب المعتقلات وقصص من شاركنها ظروف الاعتقال والمصير المجهول.

الضغوط الكثيرة التي تعرضت لها المرأة السورية كفيلة بتحويل معاناتها إلى قضية، تقول من التقيناهن، بات للنساء هدف يؤمن به ويسعين لتحقيقه مهما كبرت قيمة الفاتورة التي دفعن وسيدفعن ثمنها، وتجد الكثير من النساء اللواتي انضممن لركب الثورة أن للدفاع عن حقوقهن طرق كثيرة ولابد من ربط معظمها بالسياسة التي أوصلت بلدهن إلى هذه المرحلة.

تحلم الدكتورة الصيدلانية “سوسن السعيد” وهي إحدى الناشطات في الداخل السوري، بالارتقاء بالفكر السياسي لدى المرأة السورية، وترى أنه “حين يحمل الهدف من يؤمن به ويعيشه بكل تفاصيله نحن على يقين أن السعي لتحقيقه سيكون فاعلا”، هذه العبارة تفسر سعيها لتطبيق مشاريع سياسية تستهدف المرأة السورية في الشمال السوري كخطوة من خطوات مسار التمكين السياسي “حسب تعبيرها”.

وتعتبر “السعيد” أن للنساء مطالب لا يمكن لغيرهن إيصالها، فالنساء هن الأمهات اللواتي يفتقدن أولادهن في المعتقلات وهن الزوجات اللواتي يحملن عبء العائلة بعد تغييب الزوج قسريا أو استشهاده، وهن المعايشات لمطالب أبناء حرمهم النزوح والحرب والتشريد أبسط مقومات الحياة”.

وتقول السعيد إن أحد هذه المشاريع؛ مشروع دراسة الدساتير السورية”، الذي تعمل على تنفيذه منظمة “بارقة أمل” النسائية، سبقه تدريبات عن التفاوض_ وأنظمة الحكم _ صياغة الدستور _ فض النزاعات _ ومهارات التيسير والقيادة وغيرها من تدريبات يتم من خلالها تهيئة نساء قياديات والوصول بهن لمراكز صنع القرار.

وتوضح “السعيد” أن المواضيع التي يتم العمل عليها يتم اختيارها حسب متطلبات الواقع مع لزوم وجود خبرة ودراية بأنظمة الحكم والانتخابات، وما يتم تداوله على الصعيد السياسي بخصوص هذه الأمور التي قد نصل لها في مرحلة قادمة. لذلك يجب أن نمتلك القدرة على التعامل معها بالشكل الذي يضمن تحقيق مصالحنا ومطالب ثورتنا.

وترى “السعيد” أن طرح موضوع الدستور كان حافزاً لفكرة المشروع الذي نعمل من خلاله على دراسة الفترة الزمنية والأحداث التي رافقت ظهور كل دستور من دساتير سوريا منذ الاستقلال، ومعرفة ما فرضته الأحداث المرافقة وما كان لذلك من تأثير على مواد الدستور، ثم التعرف على نقاط الضعف التي أدت الى تعثر التطبيق الصحيح أو تضمين المادة الدستورية الصحيحة، وكيفية الالتفاف على بعض المواد الأخرى لتمرير مصالح معينة.

ويهدف المشروع بشكل أساسي إلى تضمين مطالبنا الدستورية ضمن أي دستور جديد، والتعرف على الطريقة التي استطاع من خلالها نظام الأسد أن يضمن الولاء المطلق والانصياع الجماهيري طيلة فترة حكمه، وكشف طرق السيطرة وتسيير الأفكار المرافقة.

لاقت المشاريع السياسية إقبالا من النساء اللواتي يطمحن بالارتقاء بالفكر السياسي للمرأة في الشمال السوري، ولم تقتصر المشاركة على الحاصلات على تعليم عالٍ بل ضمت شرائح مختلفة من النساء اللواتي يحلمن بمستقبل سوري يقوم على أساس من العدالة والمساواة.