تحاول أم غالب “سيدة من ريف إدلب” وهي تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في جوالها البحث عن تصنيف للعنف الذي تشعر به والذي يغيب في كل مرة الحديث عنه خلال حملات “العنف ضد المرأة” التي تبدأ في كل عام في الخامس والعشرين من تشرين الثاني لتستمر حتى العاشر من كانون الأول، تبتسم وهي تخبرنا بأن ما تتعرض له لم يصنف عالمياً كأنواع العنف المتعارف عليها، بل بقي حبيس بيوت النساء اللاتي اعتدن عليه، سواء تقبلنه أم لم يفعلن.

تقول السيدة إنها لم تتعرض لأي أذى جسدي خلال سنوات زواجها العشرة، إلا أن زوجها وكثر من الرجال الذين تعرفهم في محافظة إدلب دائمي التلفظ بـ “يمين الطلاق” عشرات المرات في اليوم، ليتحول إلى لازمة لا تفارق ألسنتهم، الأمر الذي تعتبره “لا مبالاة من قبل الرجل” لما يتركه هذا اللفظ من أثر سلبي سيء في نفوس النساء وحياتهم، معتبرة هذا التصرف “عنفاً لا يقل عن الأنواع الأخرى من التعنيف الذي تتعرض له النساء في المجتمع”.

“دائماً ما يبرر أبو غالب لزوجته تصرفه بأنه غير مخطئ بحقها، فلا دخل لها بما يقول أو يحلف، بل هو مجرد لازمة لغوية اعتاد تطقها حتى قبل زواجه منها” بحسب أم غالب التي قالت إنها لم تعد تصغي “لأيمانه الكثيرة” كما كانت تفعل في السابق، حين كانت تنصاع لأمره وتلاحقه في كل مرة يتلفظ بها بقول “عليَ الطلاق” لفعل ما يمكن خشية طلاقها و”خربان بيتها”.

“أحيانا كثيرة أتساءل إن كنت حقاً زوجته أم لا!! فهذه الكلمة تشعرني بعدم أهميتي عند زوجي”، تضيف  “أم غالب” هذه الجملة لتؤكد أنها عانت كثيراً بداية زواجها من هذه المشكلة، ولاسيما أنها تربّت في بيئة محافظة لا تتلفظ بكلمة الطلاق أبداً، فالزواج كما خبرته عند أهلها ، علاقة وثيقة ومصونة بين الرجل والمرأة لا تحتمل الهزار والاستخفاف بل يجب على الطرفين المحافظة عليها لتسير مركبة الأسرة دون غرق.

“عليّ الطلاق” تكاد تكون أكثر الجمل المستخدمة في مدينة إدلب، يقول بعض الرجال ممن التقيناهم أن يمين الطلاق هو أحد الألفاظ المتداولة على الألسن الذي قد يتلفظ به الرجل في مختلف حالاته عندما يفرح أو يغضب، وعندما يذم أو يمدح أحدهم، وقد لا تفارقه أثناء لعب ورق الشدة في سهرة مع بعض أصدقائه، أوفي تشديد عزيمته لشخص ما، ناهيك عن عدة حالات لابد من تكرار هذه العبارة بلا أي سبب كان..

ما يعتبره بعض الرجال مساحة شخصية لهم للتهكم والسخرية من بعض المواقف يترك آثاره السلبية على النساء، فـ “التهديد بالطلاق” عبر اللفظ المتداول هو نوع من أنواع العنف والاضطهاد الممارس ضد المرأة والتي هي عنصر أساسي في ذلك اليمين. وبحسب تعريف الأمم المتحدة “العنف ضد المرأة هو السلوك المُمارس ضدها، سواءً العنف اللفظي أو النفسي، أو الجسدي..”، وعليه فإنه يأخذ أشكال عدة كالألفاظ المُهينة أو الشتائم التي تنتقص من قدرِها، بالإضافة إلى التهديد اللفظي وسوء المعاملة، ويشمل ذلك التهديد بالطلاق.

تقول من التقيناهن إن “يمين الطلاق” يترك آثاراً سلبية على نفسية المرأة وحياتها، بالرغم من عدم وجود آثار واضحة، وقد يؤدي إلى حالات من الاكتئاب ويهدد العلاقة الأسرية.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حددت يوم 25 من تشرين الثاني يوماً دولياً للقضاء على العنف ضد المرأة، وسعت من خلال ذلك إلى رفع مستوى الوعي العالمي حول ما تتعرض له المرأة من اضطهاد، حيث نشطت في الشمال السوري مجموعة من المنظمات الدولية المَعنية بحقوق الإنسان من خلال تنظيم فعاليات تعزز مفهوم محاربة العنف ضد المرأة ضمن حملة 16 يوم لمناهضة العنف المتعارف عليها دولياً.

 

لا تعني هذه المناسبة العالمية شيئاً بالنسبة لـ “أبو عمر” من مدينة كفرنبل، الذي يعرف بخفة ظله، وروحه الفكاهية بين معارفه، حتى في يمين الطلاق الذي لا يفارق لسانه، والذي قابلنا بالضحك عندما أخبرناه أن “عليّ الطلاق” تعتبر نوعاً من أنواع العنف ضد المرأة ليجيبنا ساخراً: “عليّا مليون طلاق ماها عنف، وين العنف بالموضوع”

فهي بالنسبة إليه كما أخبرنا، أحب جملة ورثها من أبيه وأعمامه، وكان يحلف بها قبل أن يتزوج حتى، لذلك لا يعتبره طلاقاً بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ماهي عادة متأصلة في لغة المجتمع المحكي، ولاسيما في مدينته كفرنبل.

تقاسمه الرأي “سلوى” من مدينة إدلب وقد شارفت على الأربعين من عمرها، بأنها لا تأخذ يمين الطلاق الصادر من زوجها يومياً عدة مرات على محمل الجد، بل لا يعنيها أبداً، فهو معتاد على هذه العبارة منذ صغره، وهي اعتادت عليها أيضاً، لدرجة أنها ترددها أحياناً كثيرة مع جاراتها بداعي الضحك والدعابة كما أخبرتنا.

شرعاً لا يوجد شيء بالعرف الإسلامي اسمه “يمين الطلاق” وقد ذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة على أن من قال “علي الطلاق ” على أمر ما وقد خالفه فإن الطلاق يلزمه. وورد ذكر العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة في إطار الزواج بالقرآن الكريم “بالميثاق الغليظ ” لما له من قدسية في الإسلام ولم يشرع الحلف بالطلاق أو الظهار على النساء واعتبر ذلك جرماً محرماً استوجب كفارة محددة.

بينما ترى السيدة “نجاح محمود” وهي مرشدة نفسية واجتماعية أن المرأة عضو فاعل في المجتمع، وكل ما تمر به ينعكس على أُسرتها ومُحيطها الاجتماعي بشكل كبير، حيث يسبب العنف ضد المرأة اضطرابات أسرية تنعكس على الأطفال أيضاً.

وتعتبر “محمود” أن حلفان الطلاق المكرر إنما هو استهتار من قبل الرجل برابط الزواج، ويجعل العلاقة بينهما على شفا هاوية الطلاق فعلياً، بعد استساغة اللفظ بينهما فيصبح تطبيق الكلام فعلياً ليس بالأمر السهل.

الطفل جلال (١٢ عاماً) يقلد والده في كلماته وتصرفاته، بل ويحلف بالطلاق مثله، حتى أثناء لعبه مع إخوته ، فهي تشعره بالرجولة كما يقول.

بينما ترفض “شادية” وهي طالبة جامعية فكرة الارتباط بشاب لا يقدس الحياة الزوجية بكل جوانبها بدء من الكلمة ووصولاً للفعل، وتقول “إنها لن تبقى رهينة مزاجه السيء الذي يسمح له برمي يمين الطلاق عليها لأتفه الأسباب أو لمجرد لغوة اعتادها في سلوكه اللفظي”

وبين متساهل مع الكلمة ومتحامل عليها تبقى “علي الطلاق” متأرجحة بين الطرفين ويصعب القضاء عليها لتأصلها في موروث المدينة الشعبي.