يبحث أحمد في أرشيفه عن روابط لبعض مواده المنشورة في المواقع الإلكترونية لإضافتها إلى بطاقته التعريفية، يقول إنه تفاجأ بأنه يحمل خمسة أسماء مستعارة، إضافة لأسماء نسيها بمرور الوقت كذلك ما ينشر تحت اسم الموقع نفسه، بعض هذه المواقع أغلقت وبات من المستحيل الحصول على تأكيد بملكيته لهذه المواد.

يحاول كثر من الإعلاميين تطبيق ما تعلموه نظرياً لكتابة موادهم، يقول من تحدثنا معهم إن صياغة المواد بالطريقة المناسبة يصطدم دائماً بامتناع المؤسسات المدنية والحكومية والمنظمات عن تزويدهم بالمعلومات اللازمة، ما يضطرهم للتحايل على الموضوع بالاعتماد على الشهود والناشطين والمصادر المفتوحة، وأحياناً التخلي عن فكرة المادة بالكامل لضعف المعلومات وصعوبة التأكد منها.

يتفاجأ الإعلاميين بتصريحات لمنظمات أو مؤسسات كانت سابقاً قد اعتذرت أو رفضت تزويدهم بالمعلومات ذاتها، يقول من التقيناهم إن الأمر يتبع لـ “حجم وأهمية الموقع” من جهة، ولعلاقات شخصية من ناحية أخرى.

كل تلك المعوقات يضاف إليها العمل في بيئة خطرة والخوف من التهديد والاعتقال عند الاقتراب من بعض الموضوعات الحساسة في ظل غياب أي جهة تحمي الصحفيين وتنظم عملهم.
المصادر المفتوحة مصدر المعلومات الرئيس لدى الصحفيين

لا توجد إحصائية دقيقة للعاملين في المجال الإعلامي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بعضهم يقدر الأعداد بالمئات، كما لا توجد جهة مسؤولة لضمهم ضمن كيان واحد وفق شروط واضحة، وعند البحث في المصادر المفتوحة تسدَ في طريقك الأبواب جميعها من خلال ما تخلقه الفوضى الإعلامية وتضارب الأرقام، يقول الصحفي محمد الذي وصل إلى خمسة أرقام متباينة، كلها “غير صحيحة” بوجهة نظره، وتكتفي بالأرقام التقريبية.

صعوبة الحصول على المعلومات من مصادرها الرئيسية أو عدم وجود مثل هذه الإحصائيات في الأصل يدفع الصحفي للبحث في المصادر المفتوحة لإغناء المادة الصحفية التي يعمل عليها، وتظهر هذه المشكلة بشكل واضح عند تغطية المواضيع التي تختص بالمعارك أو الفصائل العسكرية، إذ يعتبر الحصول على تصريح رسمي شبه مستحيل في هذه الحالة، ما يدفع الصحفي للبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومة من ناشطين أو إعلاميين من المنطقة أو مقربين من الفصائل، وهو ما يفسر تشابه المواد الصحفية عن حدث معين لدرجة كبيرة تشبه “القص واللصق”، دون إمكانية التأكد من صحتها، ما يؤدي إلي ملل القارئ من جهة، ووقوع الصحفي في الخطأ في كثير من الأحيان.
يقول إبراهيم وهو صحفي يعمل في مدينة إدلب “نتعرض لمواقف مشابهة في كثير من الحوادث مثل حالات القصف وانفجار العبوات الناسفة وغيرها من الحوادث، إذ يستحيل الحصول على تصريح رسمي لمثل هذه الأخبار وإن وصل التصريح فسيصل في وقت متأخر ما يقلل من قيمة الخبر”.
لجأ إبراهيم للناشطين المحليين أو شهود العيان، في كثير من الحوادث “الأمر الذي عرض عمله للخطأ عدة مرات” بحسب قوله، إلا أنه ما يزال يعتمد الطريقة نفسها لغياب البديل.

ويقول الصحفي محمد إن المصادر المفتوحة توقعك بالحيرة، خاصة في الساعات الأولى من الحدث، ويضرب مثالاً عن عدد الضحايا في حادثة استهداف مخيم قاح الأخير، فقد وثق عن عشر مواقع أعداداً متباينة كلها قالت إنها حصلت على الأعداد من جهات رسمية، أو نسبتها لمؤسسات من المفترض أنها تملك الإحصائيات الدقيقة، وبالعودة إلى صفحات هذه المواقع تبين إنها اعتمدت رقماً واحداً ليتساءل محمد عن مصدر هذه الأرقام المكتوبة في التقارير الإخبارية؟

ويرى محمد إنه ومن الضروري الاستئناس بالمصادر المفتوحة، دون الاعتماد عليها بشكل رئيسي، إلا أن من التقيناهم قالوا إن البديل غير متاح، وغالباً ما تنشر المؤسسات المعنية بحادثة معينة تقريرها بعد يوم وأحياناً بعد يومين أو أكثر، وهو ما يفقد الخبر أهميته، كذلك هناك بعض المؤسسات المعنية التي لا تتعاطى مع الخبر مطلقاً وكأن الأمر لا يعنيها!
المصادر المغلقة عقبة كبيرة بوجه الصحفيين
ترفض الكثير من الجهات الرسمية منح المعلومات المطلوبة والتفاصيل الرسمية لأسباب عدة قد يكون بعضها أمنياً وقد يكون الآخر متعلقاً بالمنظمة الداعمة والتي ترفض نشر أي شيء يخصها إلا عن طريق مكاتبها الإعلامية، في حين يسيطر الروتين والتراتبية المؤسساتية على عمل الكثير من المؤسسات، ما يعطل عمل الصحفي في كثير من الأوقات أو يسبب تأخراً في إنجازه.

مرّ الصحفي خالد بتجارب كثيرة كان الروتين المؤسساتي سبباً في توقف وتأخير عدد من التحقيقات، يقول أنه حاول منذ أشهر إنجاز تحقيق يتعلق بالجامعة والطلبة واحتاج لإحصائية عن أعداد الطلاب في إحدى المجالات واختصاصاتهم، وهي معلومة بسيطة ومتوفرة لدى أي موظف في الجامعة، إلا أنه أمضى ثلاثة أيام متنقلاً بين الموظفين حتى وصل للمصدر المطلوب والذي طلب منه الانتظار لأيام إضافية، قبل أن يخبره بضرورة مراجعة المكتب الإعلامي للحصول على المعلومات بشكل حصري، وبسبب استحالة سفر خالد إلى الجامعة تعطل عمل التحقيق وقرر إلغاءه.
من جانبه يرى الناشط الإعلامي إبراهيم أن بعض المؤسسات الخدمية تتعامل مع الصحافة بشكل جيد في المواضيع المتعلقة بتسليط الضوء على عمل المؤسسة وأهميتها بهدف الحصول على الدعم المطلوب لاستمرار عملها، أو بحملات المناصرة التي تقوم بها بهدف إعادة وصول الدعم إلى المؤسسة. ويقدمون كافة التسهيلات لعمل الصحفي، لكن بعد انتهاء الحملة والحصول على الدعم المطلوب تعود معاناة الصحفي من جديد، ويضطر للانتظار لعدة أيام للحصول على أي تصريح أو تعقيب على حادثة ما.
وعن دور المكاتب الإعلامية الموجودة ضمن المديريات في تسهيل عمل الصحافة يقول إبراهيم “كافة المؤسسات لديها مكاتب إعلامية ومن المفروض أن نحصل على المعلومة التي نريد عبر التواصل مع هذه المكاتب، لكن غالبية هذه المكاتب موجودة شكلياً، ويقتصر عملها على نشر البيانات الرسمية وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي وقد لا يملك المسؤول عنها حرية منح التصاريح إلا بعد مراجعة الإدارة، الأمر الذي يدفع الكثير من الصحفيين للتواصل مع الإدارات بشكل مباشر اختصاراً للوقت”.
ويرى بعض الصحفيين الذين التقيناهم أن غياب الفكر الإداري والعمل المؤسساتي الحقيقي انعكس بدوره على عمل الصحفي،
حيث تجهل الكثير من المؤسسات الثورية أن من واجبها التعامل مع الصحافة بشفافية ودون حواجز وأن من حق الصحفي الحصول على المعلومات التي يطلبها لاسيما إن كانت تلك المعلومات تصب بالصالح العام وستجلب نفعاً للمجتمع.
يقول إبراهيم: “كل المؤسسات والمنظمات ترحب بك في حالك أنجزت تقريراً أو عملا يوضح أهمية تلك المؤسسة ومنجزاتها، لكن عند تسليط الضوء على أي خلل أو فساد في مؤسسة ما، يصبح الصحفي موضع إتهام وفي كثير من الأحيان يقطع التعامل معه الأمر الذي يدفع الصحفي لاستعمال أسماء وهمية في المواضيع الحساسة والتي تلامس نقاط الخلل والفساد حفاظاً على مصادره”.

بينما يرى آخرون إن المؤسسات الحكومية لا تمتلك المعلومة بالأصل، ليس هناك إحصائيات جديدة في الدوائر الخدمية أو أرشفة للكثير من الأحداث، وهو ما يمنعهم من التعاون الذي سيظهر ضعف عملهم، والأخطاء الكبيرة فيه، إضافة لخوف المسؤولين من المحاسبة في حال إدلائهم بمعلومات تزعج السلطات في المنطقة، أما بخصوص المنظمات فالأمر مختلف، يرى من التقيناهم إن الأمر شخصي ويتعلق بالشخص المسؤول ومزاجيته، هو يعتقد بأن معلوماته تخص المنظمة فقط والتعتيم عليها، بحسب من التقيناهم، لا يتم من خلال أوامر من المنظمة الأم، فمعظم عملهم يتعلق بالأمور الإنسانية والخدمية فلماذا سيتم إخفاؤه؟

يقول الصحفي محمد إن من يملك المعلومات يفاضل بين الصحفيين ويختار الأشخاص الذين من الممكن التعاون معهم، يتجنب بذلك المواقع المحلية ويتجه نحو القنوات التلفزيونية أو الصحف الأجنبية، والتي سيتفاخر بوجود اسمه فيها. يكمل محمد “كلمة السر اليوم هي الأسماء الشهيرة آما المواقع المحلية فغالباً ما يتم تجاهل رسائلها أو استقبالها”.

بعض من التقيناهم قالوا إنه تم تجاهل طلباتهم عبر الواتس آب آو الإيميل، “ما يزعجك حقاً عدم الرد، هو يستلم الرسائل ولا يرد عليها حتى بالرفض”، وأحياناً يتم رفض الطلب بحجة “أمنية” لتتفاجأ بالمعلومات وقد انتشرت عبر موقع عالمي أو تلفزيوني ومن ذات المصدر.

بعض المصادر تبيع معلوماتها أيضاً، فالصحفي سيتقاضى آلاف الدولارات عن مادته الصحفية! يقول الصحفي عدنان “مضروبين بحجر كبير”، ودائماً ما تبدأ معاناتي عند محاولة الوصول إلى المعلومات، بعضهم يلمح لسوء الأحوال الاقتصادية التي يعيشونها في إشارة يفهم منها “عليك أن تدفع للحصول على المعلومة”.
التراتبية والروتين تقتل الحوار الصحفي مع المؤسسات
تمتنع كافة المؤسسات والمديريات التابعة لحكومة الإنقاذ من منح أي معلومة أو تصريح صحفي إلا عن طريق مديرية الإعلام التابعة للحكومة، إذ ينبغي على الصحفي مراسلة مديرية الإعلام وتزويدها بالأسئلة التي يرغب بالوصول إلى إجاباتها وتعمل المديرية بدورها على التواصل مع المصدر المسؤول والحصول على الإجابات المطلوبة، ثم ترسلها للصحفي.
تلك التراتبية تؤخر عمل الصحافة وتسلب روح الحوار من كثير من الموضوعات، بحسب مؤيد والذي يعاني بشكل مستمر من التأخر في ردود المديرية نظراً لأعداد الصحفيين الكبيرة التي تتواصل مع المديرية بشكل يومي بهدف الحصول على تصاريحهم، ناهيك عن تأخر المصادر في الرد على المديرية ما يفرض عليه الانتظار لوقت إضافي.
يقول مؤيد “في كثير من الأحيان تصل الأجوبة مقتضبة، وقد تهمش بعض الأسئلة التي تكون جوهرية بالنسبة لعملي، ولو كان الحوار مباشراً مع المصدر لتمكنت من الوصول إلى ما أريد بشكل أكبر وزمن أقل”.

الأجوبة تخضع للرقابة، وهو ما يمنع الصحفي من محاولة الكشف عن الأخطاء، لأن ذلك سيعرضه للخطر بكل تأكيد، وسيعرف اسمه ومكان عمله، كذلك سيمتنع المصدر عن الإدلاء بأي معلومة عن خلل في دائرته خوفاً من المحاسبة، وفي حال وافق المصدر سيتم إقتطاع أجوبته من قبل المكتب الذي سيقدم لك ما يريد، لا ما أنت بحاجة إليه.
بدورها عملت مديرية الإعلام على منح تصاريح إعلامية مؤقتة وبطاقات صحفية تسمح للإعلامي بالعمل ضمن المحافظة، لكن تلك البطاقات لم تقدم الفائدة المرجوة منها للصحفيين الذين حصلوا عليها، ولطالما واجهتهم العراقيل أثناء تنقلهم وعملهم الصحفي.
تعرض سعيد وهو صحفي لمشكلة في أحد المخيمات أثناء محاولته تصوير تقرير عن معاناة سكان المخيم، حيث لم يعترف القائمون على المخيم بالبطاقة الصحفية، وتم منعه من التصوير.
بينما يرى سعيد أن البطاقة تمنح الصحفي بعض الحرية في التصوير في المناطق العامة والطرقات، دون أن يتعرض لمساءلة من الجهات الأمنية.
العلاقات الشخصية نواة العمل الصحفي في إدلب
يواجه الصحفيون صعوبة كبيرة في الحصول على بعض المعلومات والإحصاءات التي تغني التحقيق الذي ينجز، بسبب رفض المصدر المسؤول منح تلك المعلومات، أو بسبب افتقار المؤسسة نفسها للإحصاء المطلوب، وفي كثير من الأحيان لا تقر المؤسسة بعدم وجود الإحصائيات لأن الاعتراف سيكشف الهيكلية الهشة للكثير من المؤسسات التي لا تملك الكوادر اللازمة لتسيير عمل المؤسسة.
يقول الصحفي سامر إنه دائماً يستطيع الوصول إلى المعلومات عن طريق معارفه وأصحابه العاملين في المؤسسات الرسمية، بسبب صعوبة الوصول إليها عن طريق المصادر المختصة، والتي تجهل حقيقة آلية التعامل مع الصحفي وحقه في الوصول إلى المعلومة التي تغني الموضوع الذي يتناوله.
ويضيف سامر” لطالما كانت عقبة الحصول على التصريح من أصعب العقبات التي تعترضني، رغم كونها من الأمور الروتينية في عالم الصحافة ويجب أن تكون متاحة لأي صحفي بشكل كبير وخاصة في المواضيع الخدمية والتي تلامس حياة الناس بشكل مباشر”.
تلعب شبكة العلاقات العامة التي يملكها الصحفي دوراً كبيراً في تسهيل عمله، بالإضافة للجهة التي يعمل بها، في حين لا توجد معايير ثابته للتعامل مع الصحفيين، وتخضع آلية العمل للمعرفة المسبقة أو للمزاجية التي تتحكم بالمصدر الذي نحاول الوصول إلى المعلومة عن طريقه.
يضيف سامر:”قد أحصل على معلومة أو إحصائية ما بغضون خمس دقائق عبر مكالمة هاتفية، في حين يتكبد صحفي آخر متاعب السفر والمراسلات لعدة أيام قبل الحصول عليها”، وهذه المعضلة من أهم المشاكل التي تعيق عمل الصحافة وتؤخر طرح العديد من التحقيقات التي تلامس حياة الناس بشكل مباشر وتقدم لهم خدمة إضافية عبر تسليط الضوء على معاناتهم.
يتفق جميع من التقيناهم على أن غياب الجسم الإعلامي الموحد ساهم بشكل حقيقي في ضياع حقوق الصحفيين وتعرض الكثير منهم للمتاعب والانتهاكات نتيجة غياب أي جهة تدافع عنهم أو ترعى مصالحهم، رغم تشكيل عدة كيانات صحفية لكن لم يكتب لها النجاح والاستمرار، بسبب غياب تبنيها أو دعمها من الجهات الرسمية. يقول أحمد إنه لن يضيف روابط عمله إلى بطاقته التعريفية، سيكتب صحفي يمتلك علاقات واسعة مع المسؤولين والمنظمات الإنسانية في الداخل، يجيد البحث في المصادر المفتوحة ولديه دليل هاتفي يضم أكثر من ألف رقم لأشخاص في مناطق مختلفة من الممكن الاعتماد عليهم كشاهد عيان ومحلل سياسي وإحصائي في آن معاً.