قدوم الشتاء وانخفاض درجات الحرارة لا يمنع أبو أحمد (50 عاماً من جبل الزاوية بريف إدلب) من جرّ عربة الخضار خاصته إلى ساحة الساعة في إدلب، تبدو علامات الإرهاق على وجهه فيما يحاول أن ينفخ على يديه المتجمدتين في انتظار من يشتري بعضاً من بضائعه التي يعتني بصفها للفت نظر الزبائن.

يقول ابنه الذي يرافقه إن والده يعاني من أمراض عديدة تتفاقم في الشتاء مع البرد الشديد، إلّا أنه يرفض التوقف عن العمل، خاصة وأنه يعيل أسرته إضافة لأبناء أخويه اللذين استشهدا بقصف لطيران النظام على قريته، وتأمين مستلزماتهم من عمله كبائع للخضار والفاكهة.

وسط مدينة إدلب تنتشر العشرات من العربات لباعة جوالين، بعضهم يبيع الخضار والفاكهة وآخرون يبيعون الأسماك والبيض والألبسة، يختارون أماكن تزدحم بالمارة في الشوارع الرئيسية والساحات العامة، غالباً ما يبدأ عملهم في ساعات الصباح الباكر، محاولين جذب الزبائن بأصواتهم واللافتات الكرتونية لأسعار بضائعهم منخفضة الثمن عن تلك الموجودة في المحلات التجارية المجاورة.

يقول من التقيناهم من الباعة إن حكومة الإنقاذ أمهلتهم ثلاثة أيام لترك أماكنهم التي اعتادوا الوقوف فيها، وذلك لما تسببه هذه العربات من ازدحام مروري وقطع لبعض الشوارع الرئيسية وإشغال للأرصفة، في الوقت الذي يرى الباعة إن تنفيذ هذا القرار سيحرمهم من مصدر رزقهم في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها وانعدام فرص العمل.

الانتشار العشوائي واحتلال الأرصفة

تشغل البسطات والعربات الجوالة الأرصفة وبعض الشوارع الرئيسية الساحة، ما تسبب بعرقلة حركة السير ووسائط النقل وإعاقة المارة، يقول محمد أبو لؤي (من مدينة إدلب ويقيم بالقرب من سوق الخضار) إن وجود هذه العربات سهّل على السكان الحصول على مستلزماتهم دون تكبد عناء السير لمسافات طويلة، خاصة وأن معظم الباعة يعملون من الصباح وحتى ساعات متأخرة من الليل، إلّا أن أعدادها الكبيرة والازدحام الذي تشهده المنطقة شكلا عبئاً على أصحاب السيارات والمارة، فغالباً ما نضطر لتغيير الطريق للوصول إلى وجهتنا، تجنباً للازدحام أو الخلافات مع أصحاب العربات. كذلك يخشى أبو لؤي أن تصبح هذه التجمعات هدفاً للطيران الذي يستهدف المنطقة، ما سيسبب كارثة حقيقية.

تصطف العربات بمحاذاة بعضها البعض وتشغل الأرصفة بشكل كامل، أما في الأسواق فتمتد داخل الطرق الرئيسية، بحيث يصبح المرور من داخلها أمراً بالغ الصعوبة على المارة، أما وسائط النقل فيستحيل مرورها من المكان. ومع دخول فصل الشتاء وهطول الأمطار يزداد الأمر سوء إذ تمتزج البضائع المرمية على الأرض بالغبار والأوحال ما يزيد “الطين بلة” بحسب من التقيناهم.

البسطات مصدر رزق الفقراء

وبالرغم مما يسببه وجود هذه البسطات من صعوبات، إلّا أنها شكلت فرصة عمل لعدد كبير من العائلات، خاصة المهجرين والوافدين الذين يعتمدون عليها في تحصيل قوت يومهم، وذلك لتكاليفها القليلة ومرودها الجيد.

سبق وأن أصدر مجلس مدينة إدلب في السادس والعشرين من شهر كانون الأول عام 2018، قراراً ينص على منع وجود أي بسطة أو براكية في الساحات العامة والحدائق والأرصفة والطرقات، تحت طائلة الإزالة على نفقة المخالف لإعادة تنظيم تموضعها، ومنع إشغال الطرقات والأرصفة.

قرار مجلس المدينة الذي لم ينفذ وقتها نال تأييد البعض من سكان مدينة إدلب الذين أكدوا أنه لا ضير في أن تقوم البلدية بواجباتها الخدمية وتنظيم الحياة العامة في المدينة، بينما رأى آخرون أن على مجلس المدنية إيجاد حلول لأصحاب البسطات والأكشاك الذين يعيشون ظروفا مادية مزرية، ويفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة، بحسب محمد النعسان (أحد أبناء المدينة).

يقول سامر أبو حسين (وافد من مدينة عربين بريف دمشق وصاحب بسطة خضار في إدلب) إنه وأقرانه لا يملكون القدرة لاستئجار محل تجاري، وهو ما دفعهم للاعتماد على العربات الجوالة في تحصيل قوت يومهم، والتي تشهد إقبالاً من قبل السكان خاصة بعد إغلاق المحلات في الساعة التاسعة مساء من كل يوم. وفي حال منعهم سيجدون أنفسهم بلا عمل ولا معيل، آملاً أن يتراجع مجلس المدينة عن قراره الذي سيحرم مئات العائلات من الدخل اليومي.

يضيف أبو حسين إنه يتجول بعربته في الأسواق وشوارع المدينة، منذ عامين، معتمداً على اختيار بعض الأصناف الموسمية وبيعها بأسعار مناسبة، دائماً ما تكون أرخص من تلك المعروضة في المحلات التجارية لـ “تنفيقها وعدم بقائها ليوم آخر خوفاً من تلفها”، كذلك لـ “تسوق أصناف جديدة” ما يزيد من فرصة بيعها.

عربات متنوعة تلبي رغبات الزبائن

لا تقتصر العربات الجوالة على بيع الخضار والفاكهة، وإنما تنتشر البسطات المتنوعة التي تبيع الألبسة الجديدة والمستعملة والألعاب المستعملة والمشروبات الساخنة، إضافة لبيع المأكولات سريعة التحضير كغزل البنات والفول والذرة الصفراء والحلويات الشتوية كالمشبك والعوامة والشعيبيات التي تنتشر بشكل كبير عند الساعة وسط المدينة والحدائق العامة.

وتمتاز معظم البسطات والعربات الجوالة بأسعار منخفضة لا تتجاوز نصف دولار للقطعة الواحدة، وهو ما لا يمكن الحصول عليه من المحلات التجارية بعد الغلاء الكبير الذي تشهده المحلات التجارية.

يرى سعيد (بائع أدوات منزلية) أن السبب في زيادة البسطات وتنوع معروضاتها يعود إلى ارتفاع الأسعار الكبير في المحلات وانخفاض دخل الفرد ما أدى إلى اعتماد معظم الأهالي لشراء حاجياتهم على العربات الجوالة أو ألبسة البالة.

يترك معظم الباعة عرباتهم في الأماكن التي يركنونها فيها، يقول خالد الياسين (وافد من حمص) إنه يبيع الألبسة المستعملة في شارع رئيسي أمام مدرسة الزراعة يصف الشارع بالمزدحم والإقبال بـ “الجيد”، وهو ما دفعه لإبدال عربته بأخرى كبيرة ثابتة يتركها في مكانها بعد أن يغلق في ساعة متأخرة من الليل ويغطيها ببعض الأقمشة والشوادر السميكة، ليعود إليها فجر كل يوم، بعد أن أصبح نقلها إلى المنزل مستحيلاً لحجمها وتنوع بضائعها.

مجلس المدينة بين نارين

وضح عبد القادر هرموش رئيس مجلس مدينة إدلب لفوكس حلب أن السبب وراء القرار الخاص بالبسطات هو الشكاوى التي ترد إلى مجلس مدينة إدلب من المدنيين على أصحاب هذه العربات، وإعاقتهم لحركه السير، فيتم التعامل معهم عن طريق قسم شرطة المجلس عبر تقديم الإنذارات بعدم التجمع والازدحام ومخالفتهم في حال عدم الاستجابة منوهاً ان البلدية لا تتقاضى أي مبالغ من أصحاب العربات.

يراعي مجلس المدينة أهمية هذه العربات للممتهنيها وسكان المدينة، بحسب رئيسه الذي قال لفوكس حلب إن مجلس المدينة يعمل على إيجاد حلول بديلة لأصحاب هذه البسطات، ومنها استغلال المحلات التجارية المغلقة في الأسواق العامة، كذلك إيجاد ساحات بديلة لهم بدلاً من سوق الصاغة وساحة الساعة أكثر الأماكن المتضررة من وجودهم، والتي تسبب ازدحاماً كبيراً وإعاقة لحركة السير.

إيجارات باهظة

يتراوح إيجار المحلات في إدلب بين (150-300 دولار شهرياً)، بحسب موقع المحل وقربه من الأسواق والشوارع الرئيسية، وغالباً ما يطلب أصحاب هذه المحلات الإيجار لسنة كاملة أو أكثر، وهو ما يحول دون قدرة الباعة الجوالين على استئجاره، ناهيك عن الضرائب والديكور وثمن الكهرباء وغيرها من المصاريف التي لا يضطر صاحب البسطة لدفعها، وهو ما يفسر الفارق السعري للمنتجات بين البسطة والمحل التجاري.

يقول عبد الحميد الأسود (وافد من ريف إدلب) إنه وبعد أن اضطر للنزوح من قريته وتهدم محله الذي كان يملكه سعى لاستئجار أحد المحلات في إدلب، إلّا أن ارتفاع الأسعار حال دون ذلك، ما اضطره كغيره للبحث عن حل ليجد نفسه صاحب بسطة لبيع “الإكسسوارات النسائية” في سوق الصاغة بإدلب.

يكمل عبد الحميد إن ما يتحصل عليه يومياً لا يكفي لسد احتياجات عائلته ودفع إيجار المنزل المرتفع أيضاً، فكيف سيتمكن من توفير إيجار محل تجاري والدفع مقدماً!

ويرى عبد الحميد أن حاله لا يختلف كثيراً عن أحوال معظم أصحاب البسطات من الباعة، وهو ما أكده سعيد الذي رأى في قرار مجلس المدينة “إجحافاً” بحق هذه الفئة التي “تصارع الحياة للحصول على رغيف خبز، بدلاً من الجلوس والبحث عن المساعدات”.

“لسنا في ظروف طبيعية” يقول سعيد، ولا يمكن لأي جهة اتخاذ قرار بمنع الباعة من الوقوف في الأماكن العامة، ويصف هذا القرار بـ “الرفاهية”، فـ “قوت عيالنا أكثر أهمية من تأخر بعض السائقين لدقائق بسبب الزحام”، الأمر يتعلق “بحياتنا أو الموت جوعاً”، يلخص سعيد ما يريد قوله وهو ينفث سيجارته بعصبية.

تنتهي المهلة التي حددها مجلس المدينة بعد يومين، ويطالب من التقيناهم المسؤولين بإعادة النظر في القرار، آملين أن يتم إرجاء تنفيذه كما في العام السابق، فـ “الضرورات تبيح المحظورات” فكيف إن كان الضرر لا يتجاوز بعض الازدحام في ساعات قليلة من اليوم.