يجلس أسامة داخل الصف في إحدى مدارس حمورية مع ثلاثة من زملائه على نفس المقعد ومعهم كتاب واحد، بجانب نافذةٍ بلا زجاج تم تغطيتها بمتر من النايلون جزء منه مثقوب ينفُذ منه الهواء البارد، بينما باقي الصف بلا باب أو مدفأة تقي من شتاءٍ قارس أصبح على الأبواب، وأمام الطلاب يقف مدرس لا يتجاوز عمره 18 عاماً يتولى تدريسهم، هكذا يبدو الواقع التعليمي اليوم في كثير من مدارس الغوطة الشرقية.

دخلت مدارس الغوطة قبل شهرين العام الدراسي الثاني تحت سيطرة النظام السوري، لكن الوضع لم يتغيّر عن فترة الحصار من حيث الخدمات والواقع التعليمي، في ظل إهمال الأسد تقديم أي خدمات أو صيانة للمدارس المدمرة، ما جعل الطلاب يعيشون واقعاً مزرياً، والذي طال حتى الكوادر التدريسية التي لم تكن أفضل حالاً.

وزعم مدير “تربية ريف دمشق” التابعة للنظام ماهر فرج لصحيفة “تشرين” الموالية، أنه عقب السيطرة على الغوطة الشرقية، تم تشكيل خلية عمل للنهوض بالواقع التعليمي ولا سيما تأهيل وصيانة المباني المدرسية لتأمين عودة سريعة للطلاب إلى مدارسهم، مشيراً الى أن القطاع التربوي في الغوطة تعرّض لأضرار وخسائر كبيرة وصلت إلى 32 ملياراً و500 مليون ليرة سورية.

وأشار فرج إلى أن هناك 219 مدرسة خرجت عن الخدمة، وأنه تم إعادة تأهيل وصيانة المتضرر منها بشكل خفيف بحيث تستوعب 42 ألف طالباً وطالبة، وتم ترحيل الأنقاض وتركيب النوافذ والأبواب.

لكن الصحفي غياث الذهبي من أبناء الغوطة، أكد لموقع فوكس حلب أن تصريحات النظام حول ترميم المدارس وإعادة الخدمات إليها، ليس لها أي صلة على أرض الواقع، حيث تعمّد الأسد عدم صيانة أي مدرسة كنوع من العقاب لسكانها الذين ثاروا ضده، وإنما قامت منظمة اليونيسيف بترميم 27 مدرسة فقط، كما أن هناك بعض أصحاب المنشآت مثل شركة الدرة والأحلام وعبد الدايم ساهموا في ترميم عدة مدارس ولاسيما في عربين ودوما، بينما اكتفى النظام بترحيل الأنقاض من باقي المدارس وأعاد افتتاحها وأدّعى أنه قام بترميمها وإعادة الخدمات لها”.

كما أن عدد المدارس المتاحة في الغوطة لم تكن كافية، ما دفع النظام لجعل الدوام على فترتين في اليوم، وأصبحت الصفوف مزدحمة بالطلاب، إضافةً الى أن هناك طلاب حتى الآن لم يحصلوا على كتب، وكذلك السنة الماضية لم يتم توزيع الكتب عليهم حتى منتصف العام الدراسي.

البرد القارس يهدد الطلاب

وتفتقر مدارس الغوطة بشكلٍ كبير للأمور اللوجستية، في ظل إهمال النظام تقديم الخدمات والمستلزمات الخاصة بالمدرسة رغم ترويجه الإعلامي لذلك، إضافةً لسرقة ميليشيا “الدفاع الوطني” محتويات وأثاث المدارس عند دخولها مع قوات النظام عقب السيطرة على مدن وبلدات الغوطة.

وقال أبو أسامة من سكان حمورية “معظم نوافذ وأبواب المدارس مدمرة، لذا قمنا نحن ذوي الطلاب بوضع نايلون على النوافذ لوقاية أولادنا من البرد، لكن هذا لا يكفي فهناك كثير من الصفوف بلا أبواب، إضافة إلى عدم توفر المدافئ، وإن وُجدت ليس هناك مازوت، وهذا يؤثر كثيراً على الطالب مع اقتراب فصل الشتاء”.

بدوره قال الناشط الاعلامي ليث العبد الله من أبناء دوما لموقع فوكس حلب إن “النظام يتعمّد عدم ترميم معظم مدارس الغوطة أو تقديم الخدمات لها، وإنما عمل على ترميم بعض المؤسسات التي تهمه كالمخفر وسجن النساء وشعبة التجنيد في دوما”، مشيراً إلى أن “المدارس التي توفرت فيها الخدمات، يعود السبب الى أن هناك بعض المدراء أو المدرسين المرتبطين بالنظام، يستغلون نفوذهم لتأمين المستلزمات والصيانة للمدارس”.

كوادر ضئيلة وغير مؤهلة

ولا تقتصر مشاكل الطلاب على نقص الأمور اللوجستية وقلة المدارس المتوفرة، وإنما بعتبر النقص الكبير في الكوادر التدريسية أحد المشاكل التي تؤرق الطلاب، وقد اعترف النظام بذلك، حيث أكد مدير “تربية ريف دمشق” ماهر فرج لموقع “هاشتاغ سوريا” الموالي قبل أيام، أنه ثمة نقص بالفعل في الكادر التدريسي والتعليمي في الغوطة الشرقية، ولاسيما ضمن الاختصاصات العلمية (رياضيات- فيزياء- كيمياء- علوم)، وكذلك في اللغات الأجنبية.

وقال غياث الذهبي: إن “أغلب الكوادر نزحت من الغوطة ولم يبقَ سوى نسبة ضئيلة جداً، وباتت أغلب الكوادر الموجودة من المدرسين غير المثبتين (الوكلاء)، فيمكن أن تجد في المدرسة 20 مدرساً وكيل، ومدرس واحد مثبّت، ما يعني أن معظم الكوادر باتت غير مؤهلة، لدرجة أن هناك مدرسين (وكلاء) معهم شهادة بكالوريا يقومون بتعليم طلاب بكالوريا، فتخيل كيف سيكون المستوى التعليمي للطالب”.

ولفت الذهبي إلى أن “المدرسين الوكلاء لم يتقاضوا الرواتب منذ بداية العام، حتى أن هناك مدرسين لم يستلموا الراتب منذ العام الماضي، ولا يتجاوز راتب الوكلاء الـ 15 ألف ليرة سورية شهرياً، لذلك فضّل كثير من المدرسين الذين بقوا في الغوطة ترك مهنة التدريس، ومزاولة أي مهنة أخرى تؤمن لهم مصدر دخل”.

بدوره قال ليث العبد الله: إن “النظام يتعمد تعيين مدرسين في الغوطة من خارج المنطقة ومن المحسوبين عليه، أما أغلب مدرسي الغوطة فيتم نقلهم إلى مناطق بعيدة عن بلداتهم، وذلك لأن الأسد يخشى أن يؤدي تجمع المدرسين والطلاب من أبناء المنطقة في نفس المدرسة، إلى حالة من البلبلة والتكتّل ضده”.

وقال مدرس من أبناء الغوطة فضّل عدم ذكر اسمه: إن “مخابرات الأسد قامت باعتقال أو فصل كثير من المدرسين والمدراء الذين عملوا سابقاً ضمن مديرية التربية والتعليم الحرة التابعة للحكومة المؤقتة وفق تهم ملفّقة، كما عمد النظام لنقل الكوادر بشكلٍ مستمر من مدرسة لأخرى، فضلاً عن وجود كثير من المواد بلا مدرس حتى الآن رغم مرور شهرين على بدء العام الدراسي، وهذا يؤثر سلباً على مستوى الطالب”.

فساد أخلاقي بين الطلاب

من جهة أخرى انتشرت مظاهر كالتدخين والحشيش في مدارس الغوطة الشرقية، وسط تغاضي من قبل إدارات المدارس وخاصةً في المرحلة الثانوية، بحسب ليث العبد الله الذي لفت إلى مسألة أخرى قائلاً: “كثير من عوائل الغوطة معروفة أنها محافظة، حيث أن الفتاة منذ الصف الثاني أو الثالث الابتدائي تضع الحجاب، لذلك قام النظام باستدعاء أولياء الفتيات المحجبات في الصفوف الابتدائية، وحذرهم من ضرورة عدم وضع الحجاب لبناتهم قبل الصف السادس”.

في حين أفاد غياث الذهبي، أن “هناك سطوة للفرق الحزبية على المدارس، فكل عدة أيام يكون هناك اجتماع لتلك الفرق مع الطلاب بتوجيه من الأفرع الأمنية، بغية إعادة ترسيخ أفكار حزب البعث في أذهانهم، إضافة إلى عودة شعارات طلائع البعث بين الطلاب، وانتشار صور رئيس النظام السوري بشار الأسد في المدارس”.

وفي سياق آخر ذكرت “شبكة مراسلين ريف دمشق”، أنه انتشر في الآونة الأخيرة داء “الفم والقدم” بشكل كبير بين الأطفال في عدة مدارس بالغوطة الشرقية، حيث تكتمت وزارتي التربية والصحة في حكومة النظام على نسب الإصابات بهذا الداء.

وبحسب الشبكة، تعود أسباب انتشار المرض لقلة الوقاية اللازمة والوعي في المدارس، وعدم اكتراث المسؤولين عن المدارس بتطبيق طرق الوقاية، خاصةً أن المرض معدي وسريع الانتقال والانتشار بين الأطفال الصغار، مشيرة إلى أن المرض لازال ضمن الحدود الطبيعية ولا خطورة منه، وأن الطفل عندما يصاب بهذه المتلازمة يكتسب مناعة لكنه يشكل عائقاَ بالتغذية لدى الأطفال نتيجة اشتداد الحالة والاندفاعات الشديدة.

وكانت قوات النظام قد سيطرت على كامل الغوطة الشرقية في نيسان 2018، عقب حصار دام لست سنوات وحملة عسكرية عنيفة، انتهت بتوقيع اتفاق تضمن تهجير 65887 شخصاً إلى الشمال السوري المحرر، بينما أجرى من بقي في الغوطة تسوية مع النظام.