دبس العنب بعد الانتهاء من تحضيره-إنترنيت
دبس العنب بعد الانتهاء من تحضيره-إنترنيت

“الدبس الحلو” أو “عسل الفقراء” تسمياتٌ عديدة يطلقها السوريون على دبس العنب، والذي تبدأ عمليات إنتاجه خلال شهريّ أيلول وتشرين الأول من كل عام بالتزامن مع نضج موسم العنب، وتحرص كثير من السيدات على تحضيره في المنزل ليكون ضمن مونة الشتاء، وهناك من يلجأ لصناعته وبيعه لتأمين مصدر دخل.

تكثر صناعة دبس العنب في السويداء وحلب وإدلب وحمص، كونها تعد من أكثر المناطق السورية التي تشتهر بزراعة العنب، ويعتبر من المأكولات الشعبية واسعة الانتشار في معظم المناطق السورية، لما يتمتع به من مذاق لذيذ وقيمة غذائية عالية.

تقول أم ياسين الخطيب من سكان بلدة معارة بريف إدلب لموقع فوكس حلب: “كثيرات من ربات البيوت يلجأن لطريقةٍ منزليةٍ سريعةٍ لإنتاج كمياتٍ كبيرةٍ من الدبس وبيعها، أو إدخالها ضمن مونة البيت، حيث نقوم أولاً بفرط حبات العنب وغسلها جيداً وبعد ذلك نضعها في الخلاط لطحنها، ومن ثم يتم تصفية العصير من البذور والشوائب على قطعة قماش، بعدها يُوضع على نارٍ عالية لمدة ساعة، ومن ثم نخفّض النار ونقلبه بين الحين والآخر مع إضافة السكر حتى يصبح المزيج شديد الكثافة”.

أغلب المزارعين الذين يكون لديهم أشجار الزيتون، تتوفّر في أراضيهم إلى جانبها أشجار التين وكروم العنب، لذلك يعمدون إلى تجميع كمياتٍ كبيرة من العنب وفرزها وأخذها الى معاصر الزيتون، للحصول على عصير العنب المصفّى من البذور، ومن ثم غليه للحصول على دبس العنب، وتغليفه وبيعه في الأسواق.

يقول أبو غسان شيخ تلت أحد المزارعين في بلدة دارة عزة بريف حلب الغربي: “لم نكن نهتم كثيراَ بصناعة دبس العنب قبل الثورة، لكن خلال السنوات الماضية لمسنا أن هناك طلباً عليه في الأسواق، لذلك صرت أخصص ربع محصول العنب لصناعة الدبس، الذي يتطلّب نوعاً معيناً من العنب ذو الحبة الخضراء الكبيرة، وأن لا يكون قد تعرّض كثيراً للمبيدات الحشرية حتى لا تُغيّر المواد الكيميائية طعم الدبس”.

العنب الاخضر أفضل الأنواع لصناعة الدبس -إنترنيت
العنب الاخضر أفضل الأنواع لصناعة الدبس -إنترنيت

وأضاف أبو غسان لموقع فوكس حلب “صناعة دبس العنب من قبل السيدات في المنزل قد لا تكون ذات جودةٍ عالية، كونهن يلجأن إلى عصر العنب في الخلاط، وهذا يؤدي إلى طحن البذور مع المزيج، ما يؤثّر على جودة طعم الدبس ويجعله مائلاً الى الطعم المرّ، أما صناعته باستخدام الآلات الحديثة، فهي كفيلة باستخراج العصير دون هرس البذور أو طحن الأغصان معه”.

وأشار أبو غسان الى أنه “توجد ثلاث علامات تدل على أن الدبس أصبح جاهزاً، وهي تحوّل لونه للبني الغامق، وإذا قلت كثافة البخار المتصاعد من الدبس المغلي يعني أنه شارف على الانتهاء، إضافةً لنزول العصير من ملعقة التحريك على شكل خيط متواصل”.

أما عن التكلفة فتحضير كيلو من دبس العنب، يحتاج الى خمسة كيلو عنب (الكيلو بـ 250 ل.س)، وكيلو سكر بـ 300 ل.س، وبالتالي تصل التكلفة إلى حوالي 1750 ل.س، ويُباع دبس العنب في الأسواق ما بين 2500-3500 ل.س حسب جودته، وبالتالي يمكن أن يؤمن مصدر دخل جيد لسيدة البيت.

صناعة عريقة في السويداء

ويعتبر دبس العنب صناعة عريقة ومتوارثة جيلاً بعد جيل في السويداء، نظراً لانتشار زراعة العنب على نطاق واسع في تلك المنطقة، وهذه الصناعة هي بمثابة تقليد سنوي يُقام بنهاية كل موسم، حيث تجتمع العائلة في جوٍ من البهجة والفرح، وكثيراً ما ينضم الجيران والأصدقاء للمساعدة وللسهر حتى الفجر وتداول القصص والأحاديث خلال تحضير الدبس.

تقول أم فريد جوماني من صلخد في السويداء: “ما يُميّز صناعة دبس العنب في السويداء، هو حفاظ أغلب الأهالي هناك على الطريقة القديمة في صناعته على مواقد الحطب حصراً، وعدم الاعتماد على الآلات الحديثة، إضافةً لخلوه من النكهات الصناعية، وقلما يخلو بيت من دبس العنب، فمعظم العائلات تحرص على وجود الدبس في بيوتها كوجود زيت الزيتون، وخاصةً في فصل الشتاء كونه يعطي الطاقة والدفء”.

غلي العنب على مواقد الحطب في السويداء -إنترنيت
غلي العنب على مواقد الحطب في السويداء -إنترنيت

تضيف أم فريد “تمتاز مواسم العنب في السويداء بحباتها الكبيرة ذات اللون الأخضر، والتي تعتبر مناسبةً جداً لصناعة الدبس، فبعد عملية انتقاء العنب وغسله، ننتقل إلى المرحلة الأهم وهي العصر، والتي حافظ فيها أهل السويداء على الطريقة القديمة، عبر وضع العنب في أحواض حجرية تسمى المداعس، بينما ترتدي النساء أحذية بلاستيكية نظيفة، ثم تبدأ عملية الدهس عليها عبر الأرجل بشكل متكرر، وبعد ذلك يوضع العصير الناتج في أكياس خيش معلّقة بداخلها تراب أبيض يُسمى الحور، والهدف منه تنقية العصير وإزالة الشوائب والحموضة منه، ويُترك يوماً كاملاً”.

بعد تصفية العنب يُوضع في قدورٍ نحاسية كبيرة تسمى “الدست” منصوبة على مواقد الحطب، ويظل العنب يغلي على النار عدة ساعات، مع إزالة الرغوة من سطحه والتحريك باستمرار، ويتواصل الغلي حتى يصبح المزيج كثيفاً ودبقاً كالعسل، وبعد الانتهاء يُترك ليبرد ويعبأ في مرطبانات زجاجية خاصةً وتغلق جيداً لحين استعمالها .

وقدّرت مديرية الزراعة التابعة للنظام بالسويداء إنتاج المحافظة من دبس العنب خلال الموسم الحالي بحوالي 1400 طن، وأشارت الى أن عملية التصنيع تتم ضمن 21 معصرة بين التقليدية القديمة والحديثة، إضافةً للجوء بعض المزارعين لعملية التصنيع اليدوي للمنتج، وتتركز صناعة دبس العنب في قرى وبلدات عرمان وقنوات وسهوة الخضر ومياماس والكفر وحبران بريف السويداء.

مذاق مميز وفوائد مذهلة

ولدبس العنب استخدامات متعددة في الطعام، حيث يُؤكل بشكل منفرد مع خبز التنور أو بالخبز العادي على وجبة الفطور، أو تضاف فوقه طحينة السمسم أو اللبن، وعند تساقط الثلوج يمزج البعض الدبس مع الثلج، وهناك من يستخدمه للتحلية بدل السكر ولصنع الحلويات المنزلية.

تقول أم فريد: “بات دبس العنب يُسمى عسل الفقراء، ففي السابق اعتدنا على تناول العسل مع السمن العربي والطحينة، لكن مع غلاء سعر العسل والذي وصل إلى 7 آلاف ليرة، استعضنا عنه بدبس العنب كونه يشبه العسل في مذاقه ولونه، ويبلغ سعره في السوق 2500 ليرة، ويمكن صناعته في البيت بتكلفة لا تزيد عن ألف ليرة للكيلو الواحد”.

ولدبس العنب فوائد كثيرة، فهو غني بالفيتامينات والأملاح المعدنيّة والألياف، ويساعد الجسم على مقاومة الكثير من الأمراض لاسيما فقر الدم لغناه بمادة الحديد، فضلاً عن أنه يقوّي الدورة الدموية، ويقي من ارتفاع ضغط الدم، ويساعد على منع حدوث الأزمات القلبية لاحتوائه على مضادات الأكسدة.

كما يمدّ دبس العنب الجسم بالطاقة بشكل سريع، وذلك لاحتوائه على مواد سكرية سهلة الامتصاص، ويساعد على تخفيض معدلات الكولسترول الضار في الجسم، وهو مهدّئ للأعصاب ومنشّط للعضلات، ويقوي العظام والأسنان لاحتوائه على الكالسيوم.