عاصفة رملية في مخيم الركبان
عاصفة رملية في مخيم الركبان

تظهر الصور القادمة من الركبان قساوة الحياة الصحراوية في المخيم الذي أنشئ قبل أربع سنوات على الحدود السورية الأردنية، الغبار الكثيف يحجب الرؤية عن المكان، يبدو كل شيء بلون الرمال هناك، ويتوحد السكان مع البيوت الطينية والخيام المهترئة، فيما ينتظر من تبقى من سكانه وعددهم أحد عشر ألف شخص يعيشون واقعاً إنسانية يصفه من تحدثنا معهم بـ “المزري”، دخول بعض قوافل المساعدات تبقيهم قيد الحياة بعد ثمانية أشهر من الحصار الذي فرضته قوات الأسد وحلفاؤها على السكان لإجبارهم على الخروج نحو مناطق سيطرتها، أسوة بنحو خمسين ألف شخص غادروا الركبان منذ آذار الماضي.
“البرغل والرز واللبن” طعام النازحين
يقول الناطق الرسمي باسم الهيئة السياسية في مخيم الركبان شكري شهاب إن “النازحين في الركبان يعانون من المجاعة في ظل الحصار المفروض من قبل النظام، والذي لا يسمح سوى بدخول كميات قليلة من المواد الغذائية وبأسعارٍ باهظة، فأي نوع من الخضروات يبلغ سعر الكيلو منه حوالي ٨٠٠ ليرة سورية، وبالتالي لا تستطيع العائلة أن تأكل الخضروات سوى مرة كل عشرة أيام”.
وأضاف شهاب لموقع فوكس حلب “أغلب طعام النازحين يعتمد على الرز والبرغل واللبن مع الخبز، كما يقوم البعض بزراعة كميات قليلة من الخضروات التي لا تحتاج إلى مياه كثيرة أو جهد كبير، وبمساحة مزروعة صغيرة لا تتجاوز ٢م مربع لكل نوع، كالبقدونس والجرجير والسلق والسبانخ”.
ويتعرض المخيم لحصار من ثلاث جهات (روسيا-قوات النظام-ميليشيات الحرس الثوري الإيراني) منذ شباط الماضي، لإجبار الناس للعودة إلى مناطق سيطرة النظام، بهدف الترويج للرأي العام أن الوضع في سوريا أفضل مما كان عليه وأن النازحين يعودون لديارهم.

أطفال في مخيم الركبان يعيشون تحت الحصار
أطفال في مخيم الركبان يعيشون تحت الحصار

ويفتقر المخيم لأغلب المواد الغذائية في ظل الحصار، ولا يدخل سوى بعض المواد الأساسية، (سكر الكيلو بـ 400 ليرة، الرز الكيلو بــ 750 ليرة، طحين 50 كيلو بـ 20 ألف ليرة، ليتر الزيت 900 ليرة، ربطة الخبز 400 غرام بــ 250 ليرة)، إضافةً إلى تهريب بعض المواد، والتي تكون تباع بأضعاف سعرها الأساسي، كما لا يوجد حليب أطفال، وإن وُجد يكون عبارة عن حليب كامل الدسم لا يصلح للأطفال الأصغر من عام، وبسعر 3500 ليرة للعبوة سعة 400غرام.
وقال الناشط الإعلامي في الركبان عماد أبو شام: “لا يوجد أي مصدر دخل في المخيم ولا فرص عمل، الأمر الذي زاد من معاناة النازحين وأجبر عدداً كبيراً منهم على مغادرته، ومن كان يمتلك سيارة أو عقاراً خارج المخيم باعه من أجل إنقاذ أطفاله، بينما يعتمد جزء من السكان على الحوالات المالية التي تصلهم من أقربائهم، أما أكثر السكان فلا يوجد أمامهم سوى انتظار الفرج”.
وأوضح أبو شام لموقع فوكس حلب “شهدت كثير من المناطق حصاراً خانقاً من قبل النظام ولاسيما الغوطة الشرقية، لكنها صمدت كونها تمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تؤمن الغذاء للأهالي، بينما يقع مخيم الركبان في منطقة صحراوية قاحلة غير قابلة للزراعة، كما أن المجتمع الدولي متخاذل، وفي كل مرة تتعالى نداءات الاستغاثة مع حدوث موجات مجاعة، ترسل الأمم المتحدة بعض السلل الاغاثية التي لا تكفي سوى لوقتٍ قصير”.
ووزعت الأمم المتحدة الشهر الماضي سلة غذائية لكل عائلة، تتضمن 50 كيلو طحين، 15 كيلو رز، 5 كيلو سكر، 5 كيلو معكرونة، 1 كيلو ملح، 6 ليتر زيت نباتي، 3 كيلو عدس مجروش، 4 كيلو عدس كامل، 1 كيلو حمص.
شتاء الركبان القاسي
يزداد قلق السكان مع اقتراب فصل الشتاء الذي يصفونه بـ “المرعب” تقول أم وليد من قاطني الركبان “هناك صعوبة بالغة بتأمين مصادر التدفئة، لا مازوت في المخيم، وتصل أحياناً كميات قليلة منه بأسعار تصل إلى 800 ليرة للتر الواحد في الصيف”، وبحسبة بسيطة تحتاج العائلة الواحدة لنحو 120 ألف ليرة في كل شهر من أشهر الشتاء لتأمين الوقود، خاصة وأن الخيم والبيوت الطينية باردة وغير محكمة بشكل جيد، تكمل أم وليد “الدفء يحتاج لساعات تشغيل طويلة للمدافئ”.

مخيم الركبان في الشتاء
مخيم الركبان في الشتاء

وأما عن الأخشاب أو الحطب فقدرت أم وليد حاجة العائلة اليومية بنحو عشرين كغ تقريباً، وكان سعر الكيلو في الشتاء الماضي حوالي 150 ل.س للجاف و100 ل.س للرطب، وبالتالي التكلفة الشهرية للتدفئة على الحطب تصل الى 90 ألف ليرة، لذا يلجأ أغلب الأهالي لاستخدام النايلون والثياب والأحذية القديمة أو إطارات السيارات للتدفئة، تقول أم وليد “إن غيمة سوداء من الدخان المنبعث من المدافئ ترافق أيام الشتاء في المخيم، ناهيك عن الروائح المؤذية والتي تسبب أمراضاً رئوية وصدرية ونوبات سعال دائم للسكان”.
يشتكي معظم النازحين من رداءة الخيم مع اقتراب الشتاء، أصبحت قديمة ومهترئة، تضيف أم وليد، أما البيوت الطينية فصناعتها سيئة، وذلك لأن التراب المصنوعة منه هذه البيوت سيء ولا يُقاوم الأمطار، فبعد كل يوم ممطر يقوم الأهالي بترميم الجدران، لذا أصبح الشتاء مرعباً للنازحين.
محاولة روسية لتفكيك المخيم
تسعى روسيا جاهدةً لتفكيك المخيم الذي يقع قرب قاعدة التنف التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية، وتوجّه موسكو اتهامات لواشنطن بأنها تسعى للاحتفاظ بمخيم الركبان أكبر قدر ممكن من الوقت في التنف، من أجل تبرير وجودها غير القانوني في جنوب سوريا.
وزعمت موسكو افتتاح “معبرين إنسانيين” في شباط الماضي لخروج النازحين من الركبان لمناطق النظام، حيث تتم عمليات “تسوية الوضع” في “فرع بادية تدمر” داخل مطار التيفور، ومن ثم يتم نقل تلك الدفعات من النازحين العائدين إلى “مركز إيواء محمد عثمان للإقامة المؤقتة” في منطقة الأوراس بريف حمص.

طفل يحمل المياه على ظهره في مخيم الركبان
طفل يحمل المياه على ظهره في مخيم الركبان

وأعلنت الأمم المتحدة في في أيلول الماضي، أن 15600 شخصاً غادروا المخيم مذ فتحت روسيا معابرها “الإنسانية” لخروج المدنيين، بينما ذكرت موسكو في مطلع الشهر الحالي، أن خطة إخراج المدنيين من مخيم الركبان فشلت، بسبب عدم تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها.
وقال شكري شهاب إن “النظام تعهد بتسوية وضع من يخرج من المخيم ووضعه في مراكز الإيواء إلى حين استخراج أوراق ثبوتية له، ومن ثم يتم إعادته إلى منزله، لكن الأسد يحتجز الكثير من الرجال والنساء منذ أكثر من سبعة أشهر، مع توقعاتٍ أن هؤلاء الأشخاص سيتم نقلهم إلى المعتقلات بعد انتهاء ملف مخيم الركبان”.
وأضاف شهاب “لن تتمكن أي جهة من تفكيك مخيم الركبان، كونه يتواجد ضمن نقطة خفض التصعيد 55 الواقعة تحت حماية التحالف الدولي، إضافةً الى أن عملية التفكيك تتطلب دخول قوة عسكرية إلى المخيم، علماً أن التحالف الدولي أعطى إشارات إلى أنه لا يجبر أحداً من السكان على مغادرة المخيم، لكنه يتولى تأمين الحماية لمن يود البقاء دون أي يكون له علاقة بتقديم أي مساعدات إغاثية للنازحين”.
في أيلول الماضي زارت بعثة من الأمم المتحدة مخيم الركبان، وأجرت استبيان لمعرفة من يود البقاء في المخيم، ومن يريد التوجه لمناطق النظام، إلا أن أغلب النازحين فضّلوا البقاء، بينما خرج 290 نازحاً فقط، وتم وضعهم في مراكز الايواء بمحافظة حمص.