يعاني سبعة ملايين سوري من فقدان الأمن الغذائي، وسينضم إليهم بحسب التقارير الدولية أكثر من مليوني شخص إن لم تتم مراجعة السياسات الدولية وخطة الدعم المقدمة، خاصة في مجال دعم القطاع الزراعي الذي يشهد انهياراً كبيراً في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسلطة المعارضة السورية.

يقدم فوكس حلب بالتعاون مع منظمة Free Press Unlimited دراسة معمقة حول “الأمن الغذائي والمائي” في الشمال السوري. وتستهدف الدراسة  محافظة إدلب وأرياف حماه وحلب، من خلال ستة عشر تقريراً تسلط الضوء على أزمة مياه الري والشرب والصرف الصحي، وتراجع الزراعة المروية، وفقدان المحاصيل الاستراتيجية والصناعية، كذلك الخسارة الكبيرة في الأشجار الحراجية وتراجع الدعم المحدود للقطاع الزراعي من قبل المنظمات الدولية والمؤسسات الحكومية، ودور المعابر الخارجية والداخلية (المؤقتة) في خسارة الفلاح وارتفاع أسعار المحروقات، إضافة لانخفاض جودة البذار والأسمدة المستوردة والتحول نحو الزراعات العطرية.

عمل فريق فوكس حلب لأكثر من شهرين للحصول على المعلومات وإجراء المقابلات وكذلك البحث في المصادر المفتوحة لكتابة هذه الدراسة وإيصال صوت المزارعين والسكان إلى الجهات والمنظمات المعنية، لاتخاذ إجراءات من الممكن أن تحدّ من معاناة نحو أربعة ملايين من السكان والمهجّرين والنازحين إلى المنطقة.

وتضمنت الدراسة توثيق تراجع مشاريع الري في حوضي العاصي وقويق، النهران الوحيدان في المنطقة، واستخدامهما كسلاح حرب وورقة ضغط من حكومة النظام لزيادة معاناة الناس فيما يخالف القوانين والأعراف الدولية، كذلك استهداف السدود التخزينية والترشيحية في المنطقة بالقصف المستمر، وتعرض قسم منها للسرقة، ناهيك عن استهداف الأراضي الزراعية والقرى والبلدات، والذي تسبب بتهجير نحو مليون شخص على الأقل منذ نيسان الماضي وحتى اللحظة، وحريق آلاف الهكتارات من الأشجار الحراجية والمثمرة والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقمح.

وتؤكد الدراسة تحوّل عدد من السدود إلى قواعد عسكرية من قبل فصائل المعارضة كسد عزمارين الذي يسيطر عليه فصيل جهادي من الأوزبك والتركستان، وسد شغيدلة الذي حولته إيران الموالية للنظام إلى قاعدة عسكرية.

وتشير الدراسة إلى أن قوات النظام أوقفت ضخ المياه في نهر قويق وحولته إلى مجرى للصرف الصحي، أضر بمئات الهكتارات في ريف حلب الجنوبي، وأدى إلى فقدان محاصيل استراتيجية كالقطن والشمندر السكري، وهجرة الآلاف من أبناء المنطقة للبحث عن مصدر رزق، إضافة لتشكل نهر آخر من الصرف الصحي بطول يزيد عن عشرين كيلو متراً في الشمال السوري مسبباً ضرراً كبيراً على صحة السكان، وانتشاراً للأمراض الجلدية كاللشمانيا والإسهالات، إضافة لأضرار في التربة والمحاصيل الزراعية التي تروى من مياه الصرف الصحي.

وكنتيجة لنقص مصادر الري، ازدادت أعداد الآبار العشوائية لأكثر من ثمانية آلاف بئر، ما يؤثر على المياه الجوفية في المنطقة، في ظل غياب القوانين الرادعة والخطط المستقبلية لتلافي الكارثة المائية التي ستظهر نتائجها في المستقبل القريب.

وعن الأشجار الحراجية، تسلط الدراسة الضوء على فقدان نحو 11 مليون شجرة من أحراش الشمال السوري (65% من الغابات)، بفعل الحرائق المفتعلة من قبل قوات النظام، بعد تعرض نحو 15 ألف هكتار للحريق نتيجة القصف. و20 ألف هكتار للتحطيب الجائر، معظمها تم من قبل الفصائل العسكرية المسيطرة على المنطقة، بغرض التمويل، ما أدى إلى خلو مساحات كبيرة من أشجارها وزيادة التصحر، وانعدام التنوع الحيوي وانقراض عدد من الطيور والحيوانات التي كانت تعيش في هذه الغابات.

وعن أثر المعابر تتحدث الدراسة عن دور المعابر في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتحكم التجار بقوت السكان وخسارة المزارعين، وذلك للكلفة العالية المفروضة من قبل المسيطرين على المعابر على المحاصيل الزراعية ما أدى إلى انخفاض ثمنها، وارتفاع المواد المستوردة، كذلك دور معبر باب الهوى الحدودي مع الحكومة التركية بالتحكم بالأسعار وأنواع الزراعات، بعد سماحها باستيراد أنواع محددة من المحاصيل العطرية، ورفض أنواع أخرى ما سيؤدي لاحقاً لأضرار كبيرة في التربة وخصوبتها، نتيجة اختلال الدورة الزراعية.

وتوضح الدراسة انتشار كميات كبيرة من الأسمدة منخفضة الفعالية والبذار الرديء في ظل غياب للرقابة، وعجز المؤسسات الحكومية عن تقديم الدعم اللازم للمزارعين.

كما تسبب القصف والنزوح إلى إهمال الأراضي المستثمرة بالأشجار المثمرة، إذ شهدت المنطقة تراجعاً في إنتاج المحاصيل الأساسية (الزيتون والكرز والتين والفستق الحلبي) بنسبة تزيد عن النصف عما كانت عليه في العام 2011.

وأدى تقلص الدعم من قبل المنظمات الدولية إلى تحول نسبة كبيرة من المزارعين نحو الزراعة البعلية، كما ساهم في تراجع عمل مؤسسة إكثار البذار التي تخسر في كل عام 30% من رأس مالها ما سيؤدي في النهاية إلى إفلاسها وإغلاق كافة مشاريعها التي كانت تقدم البذار والأسمدة والخدمات الزراعية للفلاحين، وتسهم في تحسين الواقع الزراعي والحد من ارتفاع الأسعار وتحكم التجار.

تشكل الزراعة في الشمال السوري العمود الفقري لحياة مئات الآلاف من الأسر، معظمهم يعيش تحت خط الفقر، في ظل الحرب الدائرة وانعدام الأمن. وسيؤدي فشل دعم هذا القطاع إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، كما سيعرض سبل العيش القائمة على الزراعة للخطر إلى الحد الذي لا يمكن تداركه.

فريق فوكس حلب