وصلت آمنة القدور (20 عاماً) إلى حالة طبية “حرجة” بعد التهاب وتقيح في جرح عمليتها القيصرية لمولودها الأول، الذي مات بعد ثلاثة أيام من ولادته، تسببت بارتفاع شديد بحرارتها وانتفاخ في البطن ما دفع الأطباء لإعادة فتح الجرح وإجراء جراحة لها من جديد، على حد قولها.

تغيب الرعاية الصحية بعد الولادة عن اهتمام الأمهات بالرغم من أهميتها وخطورتها، ويقتصر اهتمامهن على مراقبة الحمل قبل الولادة، إذ تموت في كل يومي نحو 830 امرأة حول العالم بسبب مضاعفات ما بعد الولادة، ونحو 300 ألف امرأة سنوياً في الدول النامية التي تفتقر لرعاية طبية كافية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

ويسهم تقديم الرعاية بعد الولادة في وقت مبكر في انخفاض معدلات وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة، إذ لا يتلقى نصف الأمهات والخدج في البلدان النامية خدمات الرعاية أثناء الولادة، وما يزيد عن 70% من مجموع الأطفال الذين يولدون خارج المشافي، وبسبب هذا ارتفاع هذه المعدلات أوصت منظمة الصحة العالمية واليونيسيف ضمن بروتوكولاتها بإجراء زيارتين على الأقل إلى المراكز والمنشآت الصحية، وأكدت على أن تجرى الزيارة الأولى خلال الأربع وعشرين ساعة من الولادة، وهي الزيارة الأهم لإجراء فحص يتم الاكتشاف المبكر فيه لأي مضاعفات أثناء الولادة وما بعدها.

وتعزو الطبيبة رقية الحسين (مختصة في الأمراض النسائية بإدلب) أسباب الوفيات إلى الإنتانات بأشكالها المتعددة، والنزف غير الطبيعي، وارتفاع ضغط الدم، والعدوى والاكتئاب بسبب الحروب والفقر، وعنف المجتمع وتقاليده البالية التي تعيب خروج المرأة من منزلها أثناء فترة “النفاس”، بالإضافة لضعف المعدات أحيانا وقصور بالمراجعات الطبية والاستشارات حول السلبيات المحتملة التي قد تصيب الأمهات والخدج خلال هذه المرحلة، أو المضاعفات التي من الممكن أن تحصل مع الأم مثل احتباس الماء في الجسم الذي يسبب وذمات في القدم والساقين واليدين.

وتعتبر مضاعفات ما بعد الحمل من أكثر الأسباب المؤدية للوفاة وبالأخص عند الأمهات الصغيرات ما بين عمر الخامسة عشر والتاسعة عشر حول العالم، وبحسب منظمة الصحة العالمية فان نحو أربعة ملايين فتاة في العالم تجري عملية إجهاض قبل التاسعة عشر من العمر سنوياً.

تضيف الحسين بأن بعض الأسباب قد لا تؤدي إلى الوفاة إلا أن تترك آثاراً سلبية كبيرة على الأم والطفل، مثل اكتئاب ما بعد الولادة الذي يحصل مع بعض الأمهات، والتي تعيد سبب حدوثه إلى انخفاض في نسب الهرمونات الأنثوية “الأستروجين والبروجسترون” بعد الولادة بشكل كبير، بالإضافة للإحساس بالتعب والإرهاق الشديدين، وعدم الاعتناء بالنفس والوليد متمثلة في التفكير السلبي والشعور بالخيبة والحزن.

تؤكد القابلة سعاد محي الدين مقولة الجدّات ” قبر الولود بيبقى مفتوح أربعين يوم” في إشارة منها إلى ضرورة التزام النساء بمتابعة الرعاية بعد الولادة، لما لها من أهمية على صحة الأم والوليد ولتلافي أي نوع من أنواع المضاعفات خلال مرحلة “النفاس” كاملة.

تحسين صحة الأمومة هي إحدى الأولويات الرئيسية لمنظمة الصحة العالمية، إذ تقوم المنظمة بالعمل على الحد من وفيات الأمومة بتوفير الإرشادات وتقديم الدعم للمنظمات العاملة على الاهتمام بالرعاية ما بعد الولادة، والمساعدة على تجاوز العقبات التي تحد من فرص الحصول على الخدمات، وكانت منظمة سوريا للإغاثة والتنمية إحدى المنظمات التي عملت على تقديم برامج توعوية حول الرعاية فيما بعد الولادة “pnc”.

ويتم تقديم الدعم عبر فريق بناء القدرات الذي استهدف 26 مركزاً في أرياف إدلب وحلب، منذ انطلاق البرامج في الشهر السادس من عام 2019، والتي ما زالت مستمرة حتى اللحظة.

وتتضمن البرامج  تدريباً جماعياً للقابلات في مركز مديرية الصحة بإدلب، وتدريبات فردية من خلال زيارات ميدانية للمراكز، وتهتم التدريبات بعدد من المحاور، مثل النزيف وصحة الأم والوليد وتنظيم الأسرة وفقر الدم ومتابعة التوثيقات الورقية لزيارات ما بعد الولادة وتوحيد الفورم المخصص بالمتابعة لـ 26 مركزاً، بالإضافة لتقديم محاضرات توعوية للمُراجِعات في المراكز عن أهمية المتابعة بعد الولادة، وتوزيع بروشورات وبوسترات في المراكز ذاتها، وخلق بروتوكولات موحدة لجميع المراكز، وتشجيع القابلات على تحفيز النساء على متابعة الزيارات بعد الولادة للتأكد من صحة الأم والوليد.

تؤكد خديجة العلي (50 عاماً) إهمال المجتمع لفترة ما بعد الولادة وتروي ما جرى مع ابنتها (19عاماً) بعد ولادتها المنزلية بـ 24 ساعة، والتي فقدت حياتها بعد ارتفاع شديد في الحرارة ونزف استمر نحو خمس ساعات، تقول “يمكن عاداتنا الظالمة وثقافتنا الضعيفة إلي ما سمحت لنا ناخد البنت ع مركز صحي من أول مابدت بالنزيف وارتفاع الحرارة، هي الي وصلت بنتي للموت”.