في مكان طرفي من مدينة إدلب بالقرب من مدرسة حطين في حي الجامعة وبعيداً عن أسواق المدينة الرئيسية، يتجمع السكان في سوق شعبي يعرف بـ “بازار الأربعاء”، وهو السوق الأكثر شعبية إذ ينهي دور الوسيط بين المنتج والزبون، فتصله البضائع بأسعار زهيدة ما جعله مقصداً لشريحة واسعة من أهالي المدينة والوافدين وأبناء المناطق الريفية.

يشغل البازار مساحة واسعة مسقوفة، تتوزع تحتها ملابس البالة والأحذية المستعملة، والحقائب وبسطات خاصة بالمفروشات المنزلية كالستائر والوسائد، وألعاب الأطفال والدمى القطنية، وبسطات خاصة بالقرطاسية المدرسية، والحقائب الجديدة وبعض الكتب، بينما تفرش مئات الأمتار على امتداد السوق بمختلف أنواع البضائع الأخرى من خضار وفواكه، وحبوب وبقوليات والمعلبات، وأكياس التوابل والبهارات إضافة إلى الألبان ومشتقاته، حتى المعجنات والحلويات لها نصيب من البازار.

“بازار الأربعاء” فرصة جيدة لمحدودي الدخل للحصول على مستلزماتهم بأقل كلفة، إضافة إلى أنه يوفر فرصة عمل لعدد ليس بقليل من الوافدين والمقيمين على حد سواء، ناهيك عن كونه طقساً أسبوعياً ومتنفساً للسكان، خاصة النساء اللواتي يعتبرنه يومهم الأسبوعي بامتياز، بحسب من التقيناهم في السوق.

منذ ساعات الصباح الباكر في يوم الأربعاء تمتلئ ساحة السوق الواسعة بمختلف أنواع البضائع والأدوات المنزلية، سيارات محملة بأكياس الملابس المستعملة “البالة” أكثر ما تشاهده هناك على جانبي الطريق، بينما تحمل الدراجات النارية العبء الأكبر في نقل البضائع الأخرى، يقول أبو سعيد (من مدينة أريحا) إنه يحمل على دراجته النارية عبوات المونة البلاستيكية كـ “دبس البندورة والفليفلة والمكدوس” ليبيعها في البازار، يخبرنا أن أهل المدن يفضلون بضاعته المنزلية عن تلك الموجودة في الأسواق، وإن زبائن خاصين يطلبون ما يبيعه ويترددون أسبوعياً لشرائها من البازار.

في زحمة السوق لا يصل إلى سمعك سوى أصوات الباعة للفت انتباه المشترين إلى بضائعهم، يختارون جملاً معبرة ومختصرة للدلالة على جودة وانخفاض أسعار المواد التي يبيعونها.

“قرّب يا طيب… تعا ذوق وجرب” جملة يكررها بائع الموالح وتكاد تذهب بصوته المتعب من كثرة الصياح، يحورها كيفما يريد وبنغمات مختلفة، ويستغني بعبارته التي يتبعها بالأسعار عن وضع لوائح سعرية على المكسرات التي يبيعها. تتزاحم الأيدي للحصول على الأكياس، بينما تنصح سيدة من يقف إلى جانبها من النساء “اشتري منو، بضاعتو رخيصة ومجربة”.

على الطرف المقابل لبائع الموالح تجرّ سيدة خمسينية عربة أطفال ملأتها بمختلف المشتريات، تركنها إلى جانب بسطة للخضار والفواكه، قبل أن تبدأ بشراء ما يلزمها بعد مفاصلة البائع واختيار فاكهتها قطعة قطعة، تبتسم لرؤيتنا وتشير لنا أن “الأسعار مناسبة هذا اليوم”.

تضيع السيدة في الزحام، أعداد المشترين كفيلة بتغيير مشاهد الوجوه كل دقيقة، بينما تبقى وجوه الباعة وأصواتهم راكوراً ثابتاً إلى نهاية اليوم.

يحاول معظم المشترين من البازار التوجه باكراً إلى السوق للحصول على البضاعة الأفضل، وينتظر قسم منهم بجانب بائعي البالة في انتظار فتح أكياس جديدة ووضعها على البسطات لتتناقلها الأيدي، بحثاً عن الجودة والمقاس المناسب.

يتعجب أبو محمد (صاحب السيارة البيضاء الكبيرة التي تحتل الركن ذاته من البازار في كل أربعاء لبيع البالة لا سيما الأوروبية) من خفة يد النساء في البحث عن أفضل القطع الملائمة، ترتفع أيديهن وتنخفض بعشوائية واضحة لإخراج خفايا الكيس بحركات متواترة، يصفها الرجل بـ “كثبان من الرمل المتحرك يعج بالألوان تحيط به أيدي النساء كيلا تقع”.

في نهاية القسم المخصص للملابس تقف سيدتان في العقد الرابع من العمر، تعلقان على قضبان حديدية مجموعة من الفساتين الصغيرة متنوعة المقاسات، يغلب عليها لمسة الخياطة المنزلية، تقولان إن البازار شكل لهن فرصة لعرض أعمالهن وكسب قوت يومهن، تضيف إحداهما أن “السوق والزحام أفضل الأماكن لتصريف ما يخطنه بأيديهن”.

تنوع البضائع في مكان واحد ساهم في تحول البازار إلى مقصد للسكان، لشراء كافة احتياجاتهم دفعة واحدة دون عناء التردد على أسواق مختلفة، وهو ما تفعله أم وليد الحمصي وجارتها اللتان تترافقان معاً للتسوق، تقول أم وليد إنها تقصد بداية عربات المنظفات والأدوات المنزلية لتعويض النقص في مطبخها، قبل أن تتجه إلى سوق الملابس، وتختتم جولتها بسوق الخضار والفواكه.

بينما تبحث “ولاء” (مهجرة من حلب) وسط الزحام عن بسطة الأدوات الزجاجية “المستعملة”، وبالرغم أنك لن تجد قطعتين متشابهين فيها، فكل صحن بنقشة وحجم مختلف، مع ذلك تقبل عليه السيدات كونه من الزجاج القديم المفضل لهن، فالسيدة ولاء تقول إنه يذكرها بأطقم زجاجية كانت في بيتها بحلب قبل تدميره، وله ذكرى عزيزة في قلبها.

ليس ببعيد عن الأدوات المنزلية تفترش قطع الخردة والأدوات الكهربائية المستعملة وبعض من الأدوات الزراعية مساحة من السوق، ويلتف حولها الرجال للبحث عن شيء مفيد يمكن استعماله، ولكل بسطة زوراها ولا تكاد ترى بسطة خالية من الأشخاص الذين يقلبونها رأسا على عقب.

(القطعة بـ 100 والتلاتة بـ 200) ينادي “محمود ” من على بسطته بأعلى صوته ليجذب المارة لبسطة ملابسه الولادية بسعره الرخيص وعرضه المغري، ليقضي ليلته بتلصيق قطع المئة ليرة المهترئة.

تعتبر البازارات بأي منطقة في العالم مكاناً اقتصادياً، وطقساً ملازماً لأهالي المدينة لا غنى عنه كونه ملتقى اجتماعي يعج بالحركة الحياة، لاسيما في مناطق كالشمال المحرر، التي هربت مدنه من الموت بحثاً عن بقايا حياة في أي مكان يعيد لها روحها وفرحها.

منيرة بالوش