يرتبط السكان بمعالم تشكل ذاكرتهم، ويستمدون منها قصصهم وحكاياتهم، بعضها آثار قديمة أو مغاور وكهوف، إلّا أن أهالي قرية الحويز يرتبطون بنبعهم، ويجدون فيه قصة يروونها لأبنائهم، إذ شكّل بوجوده المصدر المائي للقرى المجاورة، ومكاناً للسباحة وملجأً خلال استهداف قوات الأسد للقرية، وفسحة لقصص النساء وحياتهم الاجتماعية.

عند المدخل الرئيسي للقرية وعلى بعد خمسة وعشرين متراً عن جبل “شحشبو” المحاذي لها تستقبلك مياه النبع، الذي يشكل نهر الحويز، يجري النهر ضمن مجرى متعرج من الشرق إلى الغرب حيث أقيم سد ترابي لحجز مياه النهر واستعمالها في سقاية الأراضي في فصل الصيف حيث ينخفض منسوب مياهه، ويتابع مجراه ليقسم القرية إلى قسمين جنوبي وشمالي إلى أن يصب في قناة صناعية للمياه تسمى “شقة الطليان”، وهي إحدى أفرع نهر العاصي في سهل الغاب. تحول قسم من الأراضي المجاورة للنهر إلى “مسامك” تصرف مياهها عبر مجرى النهر، ما أفقد مياهه صلاحية الشرب.

في مكان صخري على شكل دائرة غير منتظمة، في منطقة يطلق عليها الأهالي اسم “الخرشة” نسبة إلى أسنان صخرية تشكلت بمرور الزمن بسبب قوة تدفق النبع، هذه الأسنان المائلة تتيح للأهالي السباحة تحتها، وتتجمع فيها مياه النبع بنحو 150 سم، ليستغل الأهالي قوة تدفقها وغزارتها لتغطية حاجتهم من مياه الشرب سابقا، كما كانت متنزها لأهالي المنطقة، يقول فردوس أبو عبدو (60 عاماً من أهالي القرية).

يتذكر أبو عبدو وهو يروي لنا كيف كان المكان ملعباً لطفولته منذ خمسة عقود، برفقة أقرانه وشباب القرية والقرى المجاورة، ومقصداً للسباحة في مياهه، في الوقت الذي كانت النساء تقصد عيناً أخرى من النبع قريبة من الخرشة تتجمع فيها المياه بشكل أقل، يغسلن الصوف ويتنزهن حاملات معهن عدة الشاي وبعض الطعام، ويتبادلن الأحاديث في خلوة تريحهن من ضغوط الحياة، تقول أم علي (من سيدات القرية).

تعصر أم علي وأبو عبدو ذاكرتهما لتحديد العام الذي انقطع فيه تدفق المياه عن الخرشة وعيونها، يجمعان على أنه كان في العام 1984، مع تحويل الحكومة للمكان إلى مشروع مستثمر لمياه الشرب عند المدخل الشرقي من القرية، يقولان إن المشروع غذى قرى (الحويز، الحرية، المهاجرين، جسر بيت الراس، الهوتة، الأشرفية، قبر فضة، الرملة، الرصيف، العزيزية، التمانعة، الجيد، الدرابلة، جسر التوتة، الحاكورة، تل بكير) بالمياه الصالحة للشرب، ويؤكدون استمراره حتى دخول قوات الأسد إلى القرية في أيار الماضي.

عذوبة ماء نبع الحويز ونقاؤه جعله مقصداً لسكان المناطق المجاورة، تقول “ناهد أم حسن” من كفرعويد بجبل الزاوية إنها لم تزر القرية أبداً إلا أنها تميز ماءها العذب الذي كانت تخصصه والدتها لشرب الشاي فقط، بينما تقول “أم محمد” من مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي إنها كانت تخصص عبوات بلاستيكية تقوم بتعبئتها من ماء نبع الحويز خلال زيارتها لأصدقاء العائلة، لأنها تحب مذاقه المميز كما أنها لا تفضل الشرب من مياه الآبار التي تجمع بها مياه الأمطار لفترات طويلة.

خروج القرية عن حكم قوات الأسد منذ بداية الثورة لم يوقف تدفق المياه، وتغذيته لبعض القرى التي كانت في الجانب الآخر وتسيطر عليها قوات النظام، كـ “الجيد والرصيف والعزيزية”، يقول محمد خطاب “رئيس المجلس المحلي للقرية” إنهم لم يستخدموا مياه النبع كورقة ضغط أو سلاح حرب لتعطيش أبناء المناطق الأخرى، هم لا يعتمدون “سياسة النظام التي يرفضونها” ولذلك لم يسمحوا بذلك.

كما يؤكد خطاب إن المجلس حافظ على كافة معدات المشروع من السرقة، وتابع أعمال الصيانة الدورية وإصلاح الأعطال، سواء في المحطة الرئيسية بما تحتويه من مضخات وغواطس ولوحات إلكترونية، أو شبكات المياه الرئيسية والفرعية.

واعتمد المجلس على المتطوعين من الأهالي، ومنهم موظفين سابقين في المحطة، لاستمرار الضخ بشكل يومي ومنتظم، كما تقاسم أهل البلدة تكاليف الإصلاح من خلال جمع الرسوم التي تحتاجها عمليات الصيانة، وهو ما ساهم في بقاء المشروع قائماً حتى سيطرة قوات النظام عليه.

وتمتاز الحويز بوفرة المياه السطحية التي تبدأ بالظهور بعمق متر في بعض الأماكن، لذلك فإن أغلب الأهالي لجؤوا لحفر آبار صغيرة تعينهم على سقاية أشجارهم و مزروعاتهم الموسمية التي كانوا يزرعونها ضمن “الحواكير” المخصصة للزراعة في كل بيت، إلا أن هذه المياه لا تصلح للشرب يقول “خطاب” ويفسر وفرة المياه في تلك المنطقة بطبيعة الأرض التي كانت مستنقعات تم تجفيفها من خلال شق قنوات الري وتجميع المياه فيها، وتصل المياه السطحية القريبة من سطح الأرض عن طريق الخاصة الشعرية إذ تتسلل عبر دهاليز صغيرة من قنوات الري والتصريف التي جمعت فيها خلال مشروع تجفيف وتطوير الغاب.

هذه الوفرة بما لها من فوائد على القطاع الزراعي أسهمت في إضعاف دفاعات القرية خلال تقدم قوات الأسد، وزادت من معاناة السكان في الوقت نفسه، إذ حالت دون إمكانية المقاتلين من حفر الخنادق، والأهالي من حفر ملاجئ تحميهم من القصف الذي طال البلدة بعد اتباع سياسة الأرض المحروقة من قبل قوات الأسد، وهو ما دفع الأهالي للجوء إلى محطة المياه باعتبارها مؤسسة حكومية مدنية وأهم البنى التحتية في القرية، إلّا أن ذلك لم يوفر لسكان القرية ملاذاً آمناً، بعد أن قامت طائرات ومدفعية النظام باستهداف المبنى غير آبهة بأهميته وسكانه.

للنبع ذاكرة في نفوس أبناء القرية، وهو ما دفعهم ليكون أول مكان يزورونه بعد معارك استعادة القرية، يشربون ماءه ويرشقون رفاقهم به، بحسب ما أظهرت مقاطع فيديو نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل انسحابهم أمام قوة القصف الشديد وخسارة المنطقة من جديد.

يحتفظ أبو عبدو بتاريخ الخامس عشر من أيار الماضي كأسوأ حدث في حياته، يقول إن أمنيات العودة وشرب مياه النبع تراوده في كل يوم، حاله كحال معظم أبناء الحويز الذين يرون في النبع سجلّاً يحمل في طياته تاريخهم.