يميل الطفل للاتصال بالعالم المحيط به ومكوناته، ويكتسب معارفه ومعلوماته من خلال الحواس التي يغنيها بالأسئلة المطروحة والاستفسارات العامة التي غالباً ما تصب في البحث عن إجابات حول “القضايا الغيبية والدينية والجنسية”، وبنسب أقل “العلمية والاجتماعية”، وتتخذ هذه الأسئلة نوعاً من الطروحات البسيطة، صعبة الشرح، وتشكل حرجاً للأهالي يختلف بحسب الأسرة والمناخ العام السائد فيها وتحصيلها العلمي، لتتدرج أساليب الإجابة بين الإهمال والشرح والنقاش وأحياناً الاستهتار والعقاب.

ما يراه الأهالي بديهياً أو معروفاً يشكل حالة مثيرة لدى الأطفال في السنوات الأولى من أعمارهم، خاصة ما قبل الالتحاق بالمدرسة، فيلجؤون إلى أسئلة تمتاز بـ “الجِدّة والتعقيد والغرابة”، خاصة عند انتشار معالم معينة في البيئة الاجتماعية، كالحرب على سبيل المثال أو الموت والمعاناة، كذلك الأمور الجنسية التي يبدأ الطفل بالسؤال حولها للتعرف على جسده والاختلاف بين جسدي الذكور والنساء، وبعض الأمور الدينية التي تكوّن جزء من حياة الطفل خلال تداولها سواء في دور العبادة والمساجد، أو من خلال أحاديث الأسرة نفسها.

تقول أم محمد (زوجة شهيد من مدينة معرة النعمان) إن أسئلة طفلها الوحيد “محمد” تصب غالباً في إمكانية إنجاب “أخٍ له” أسوة بأصدقائه، وكذلك بعض الأمور الدينية وتفسير الآيات القرآنية التي يتعلمها في حلقات تعليم القرآن. تحاول أم محمد الإجابة عن أسئلة طفلها وفتح باب للنقاش معه حول الإجابات، أحياناً تستعين بوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المتخصصة للبحث عن إجابة ترضي فضول طفلها.

يرتفع سقف هذه الأسئلة عند بعض الأطفال، في السنوات اللاحقة بعد دخولهم إلى المدرسة، تقول المعلمة باسمة (أستاذة التربية الإسلامية في أريحا) إن أسئلة الأطفال تتركز حول “الذات الإلهية”، خاصة تلك الأسئلة عن “خلق الله ومكان سكنه وكيف بإمكانه رؤيتنا جميعاً ومراقبة تحركاتنا”، غالباً ما تلجأ المعلمة إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لمحاولة تقريب الفهم للطلبة والبحث عن طرق ووسائل مبسطة لذلك.

طفل المعلمة باسمة دائم السؤال عن طريقة “الولادة”، وذلك عند رؤية والدته الحامل، فضوله الدائم يدفعه نحو تكرار السؤال، وغالباً ما تكون الإجابة “عن طريق أدوية تقدمها الطبيبة”، تقول باسمة إنها تعرف إن أجوبتها لم تقنع الطفل، ولكنها لم تجد أي إجابة أخرى.

تركز الدراسات التربوية والنفسية على ضرورة ابتعاد الآباء عن “الكذب والمراوغة” لتجنب شرح المسائل الحساسة، تلك الإجابات لا تشبع غرور الطفل، بل تزيد حماسته لمعرفة الأجوبة، ولذلك يلجأ إلى أشخاص آخرين أو وسائل مختلفة لتمكين معرفته، ما يؤدي إلى وقوعه ضحية سهلة للتأثيرات السيئة من قبل أصدقائه أو بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وترى هذه الدراسات بوجوب إظهار الاهتمام للطفل فهو غالباً ما يلتقط الإشارات الجسدية كالارتباك والخجل والمواربة، وتقديم الإجابة بطريقة بسيطة وحوارية، دون لف أو دوران.
وتوضح الدراسات أن إدخال الثقافة الجنسية والدينية بطرق مبسطة وبالتدريج للأطفال يمثل واحداً من الحلول، بينما يقع على عاتق الأهالي الجزء الأكبر في المرحلة العمرية الأولى، باعتماد إجابات موضوعية وواقعية، دون أن تنطوي على أحكام ذاتية.

تقول أم حيدر إن طفلها دائماً ما يسأل والده عن الطائرات الحربية وسبب قصفها للناس، أحياناً يتطرق لأسئلة تخص الثورة، وذلك اعتماداً على ما يراه ويسمعه في الوسط المحيط به، بينما تتركز أسئلة طفلتها حول “الجنة”.

توضح دراسة بعنوان “أساليب تعامل الوالدين مع أسئلة أطفالهم المحرجة” أن الأمهات غالباً ما يلجأن إلى استخدام أسلوب الإهمال في الرد على الطفل، أو الإجابات العشوائية الخاطئة، بعضهن يستخدمن العنف، متجاهلات أهمية هذه الأسئلة في تكوين شخصية الطفل، وما تمثله من حالة معرفية علمية للطفل تترك آثارها على مدى المراحل اللاحقة من حياتهم، وبينت الدراسة أن الأطفال الذين يتعرضون للإهمال المستمر أو سوء المعاملة يكونوا عرضة للاضطرابات الانفعالية والاجتماعية إلى حد كبير، أما الأطفال لذين يحظون بفرصة للنقاش غالباً ما يساهم ذلك في نموهم المعرفي.

“لا بد لنا من توجيه الأطفال من قبل المربي نحو اهتمامات مناسبة وإشغاله بطريقة ما بحيث يفكر تفكيراً يتناسب مع عمره” يقول محمد دراش أستاذ الفقه في جامعة إدلب، الذي أضاف إنه “يجب علينا كمربين إبعاد الطفل عن مثيرات التساؤل الغريبة، وبعد ذلك إن وردت أسئلة منه نجيبه عليها بالحد المناسب لتفكيره، و من المهم  معالجة المشكلة من أصولها وهو الفراغ التربوي الموجود في الأسرة والمدرسة، وعلينا أيضاً أن نجيب على أسئلة الطفل عندها يكون محاطاً بجو تربوي مناسب لا يشط في التفكير فإن وقع منه أي تساؤل يجيبه المربي بشكل مبسط دون الخوض في الغموض”.

وترى المرشدة الاجتماعية (رجاء شبيب) أن أسئلة الأطفال المحرجة تنقسم لعدة أنواع منها شخصية وأخرى جنسية يطرحها الأطفال بسبب ضعف التواصل بين الأهل والطفل، وسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بطرق غير مفيدة، بالإضافة إلى الصحبة السيئة ودورها السلبي مما يؤثر على تكوين هذه الاسئلة، وبسبب اختلاف الثقافات والتنوع السكاني في المنطقة الواحدة خلال فترة الحرب ونشوء مخيمات النزوح.

لذلك من الضروري توجيه فكر الطفل بطريقة غير مباشرة واستبدال الأسئلة التي يطرحها الأطفال بأخرى أكثر فائدة لهم بغية توعيتهم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا تضافرت جهود المدرسة مع جهود الأهل لتوعية الأطفال لأن جهة واحدة لا تكفي للتوعية، ولأن الاهتمام المكثف بالطفل خلال المراحل الأولى من حياته الدراسية يؤدي إلى تحفيزه لمشاركة والديه بما يحدث معه خلال الدوام في المدرسة حتى يكونوا على اطلاع، وهذه المشاركة تشعر الطفل بأنه مهم”.

 

يخالف الفيلسوف وعالم النفس “بياجيه” في نظريته عن التطور المعرفي لدى الأطفال هذا الطرح، ويركز على أهمية التعليم الاستكشافي الذي يجب أن ينبع من تشجيع الأبوين لأطفالهم في مرحلة الطفولة المبكرة على اكتشاف ما يجري حولهم في العالم الواسع، والاستمرار بطرح هذا السيل من الأسئلة حول كل شيء.

لا تمثل أسئلة الطفل أكثر من حالة فضولية، تدلّ كثرتها على حسن عقلية الطفل، وغالباً ما يكتفي بإجابة مبسطة دون الاستفاضة بالشرح والتعقيد، مع إظهار حالة الاحترام في تناولها من قبل الأهالي أو المعلمين، دون محاولة كبتها أو تجاهلها لتكوين حصيلة معرفية يمكنهم بها فهم العالم المحيط بهم وإدراكه وتكوين أساسات صحيحة في شخصيتهم المستقبلية، أيّاً كان نوعها أو موضوعها.