أعلنت المؤسسة العامة للسينما في مناطق النظام تأجيل عرض فيلم “دم النخل” وذلك لتعديله، بعد إثارته لردود فعل سلبية واتهامه بالطائفية والإساءة لأهالي جبل العرب، الفيلم الذي رُوج على أنه توثيق لسنوات الحرب والذي يحكي قصة قتال قوات الأسد وداعش في تدمر التي وضعها المخرج كخلفية لقصة ثلاثة “جنود” من عائلات سورية مختلفة يكلفون بمهمة نقل آثار مهمة من تدمر، ويلتقون بعالم الآثار خالد الأسعد الذي قتلته داعش في العام 2015 وعلقت جثمانه على عمود أثري.

يبدو ذلك التأجيل لعرض الفيلم حالة ديمقراطية واهتماماً من قبل حكومة الأسد ومؤسساتها بالمزاج الشعبي واحترام خصوصيته، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسمح بما يغذي الطائفية وإثارة الفتن في مناطقها، هي المدافعة عن الحريات والتي تخوض حرباً ضد “الإرهاب” ما تزال مستمرة حتى الآن، ناهيك عن رسالة أخرى تظهر أن لا أحد فوق حرية الناس وأفكارهم، وبهذا يمنعون فيلماً للمخرج أنزور، فخر الصناعة التلفزيونية والسينمائية السورية، ونائب رئيس مجلس الشعب الحالي الذي قال في بيان مشترك مع المؤسسة “إن القائمين على الفيلم حريصون على أن تصل الرسالة الوطنية بشكلها الصحيح  لكل شرائح مجتمعنا السوري المنوع والمتكاتف بكل أطيافه”، وإن هذا التأجيل سيكون “فرصة لدمج الآراء التي جمعناها ليخرج الفيلم بصيغته الجاهزة منسجماً مع قيمة وقداسة التضحيات التي قدمها أهلنا في كل المحافظات في سبيل عزة الوطن ورفعته”.
الفيلم الذي كتبته ديانا كمال الدين ابنة محافظة السويداء والتي خاض أهلها الحملة الأكبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لرفض الفيلم ومنع عرضه، خاصة وأنهم شعروا بأن الفيلم يستهدفهم بشكل خاص ويتهمهم بـ “الجبن” والذي يخالف ما يتغنون به من شجاعة وعادات أصيلة، أفلت من عين الرقيب خلال الموافقة المبدئية على النص قبل تمثيله، ربما لاسم مخرجه الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حرباً تشبيحية لا يمكن التشكيك بمقاصده أو المراجعة ورائه، واكتفوا بالموافقة دون تكبد عناء القراءة، أو كان لكلمة السر بـ “اللهجة الساحلية” والتي صور صاحبها كبطل للأحداث في الفيلم تغني عن باقي ما يعرض، فطالما لنا البطولة لا مانع من أدوار ثانوية أخرى ترفد هذه البطولة ولا تنقص من شأنها، وكالعادة لا بدّ من إظهار واقعية ما بتصدير بعض الصفات السلبية، ليس مهماً هنا من يحملها طالما أن الرأس بخير. على الأقل كان عليهم التعلم من وزير الثقافة الذي قال إنهم سيسحبون أي كتاب «يمس» الدولة أو المجتمع من معرض مكتبة الأسد الدولي للكتاب، ومحاسبة الدار التي نشرته!

وليس من قبيل المصادفة أن تستخدم اللهجات الأقل سطوة سياسية وحساسية في الواقع السوري لأداء هذه الأدوار، فهناك لهجتان لا يمكن المساس بهما “الدمشقية والساحلية”، أما أن نعيث فساداً وإضحاكاً بلهجات أخرى فلا مانع من ذلك، نذكر هنا إظهار اللهجة الحلبية في الكثير من المسلسلات وأصحابها بصورة مضحكة، والمبالغة في التنفير منها، والتشديد على بعض الجمل التي لا يألفها أهل حلب أنفسهم، ولا ينطقونها بتلك الصورة، وتغدو صورة نمطية عن المدينة وسكانها أينما حلّو وفي كل مجلس يرتادونه وكأنها لهجة قادمة من مكان بعيد حتى باتت مطلباً في السهرات “احكيلنا حلبي”.

الفيلم الذي حضر عرضه الأول التجريبي رأس النظام في دار الأوبرا والذي ترافق مع عيد ميلاده، وأدلى بدلوه تجاه ما شاهده بحسب المخرج الذي قال إنه سيأخذ ما قاله من ملاحظات، حظي باهتمام من الإعلام الموالي للنظام، وعنونت قناة rt الروسية تقريرها عنه بـ “حضره الأسد ورفض أهل السويداء ما جاء به”، جاء صفعة أخرى تدلّ على ابتعاد رأس النظام وانفصاله عن الواقع السوري، فليس من الطبيعي أن لا تكون زبانية الرئيس قد عرضت عليه محتوى الفيلم سابقاً، خاصة وأنه سيحضره برفقة عائلته وفي مناسبة خاصة، وبنظرة منطقية يبدو أن الجميع لم ينتبهوا لرسالة الفيلم أو أنها فعلياً كانت مقصودة بإهانة جزء من المكون السوري واتهامهم بالتخاذل، بعد رفضهم المشاركة في حربهم، وتصويرهم كجبناء مقابل الأسطورة الساحلية والتي يبدو أنها ستبقى المكون الرئيسي ولفترات طويلة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي للسرديات السورية الجديدة.

الفرصة سانحة للاستفادة من الضغط الشعبي اليوم وتجييره لصالح حكومة الأسد، وإظهار انتصار وهمي ما كان ليكون لو أن ظروف البلد أكثر استقراراً، تأجيل الفيلم والتعديلات التي ستطرأ عليه ستخفف من حدة النقاش وترسم صورة أنيقة للجلاد وحكومته ومؤسسته السينمائية والفنية، كذلك ستخفف من الاحتقان في الشارع الذي من الممكن أن يصب جام غضبه على فيلم أو كتاب، وإغفال عشرات الانتهاكات وغلاء الأسعار وقمع الحريات والسرقات والجرائم التي ستمر تحت عباءة الفيلم دون تغيير أو تعديل أو محاسبة.

لسنا مشمولين بالرضى في الشارع المعارض، وليس مهماً رأينا في عرض الفيلم أو تأجيله أو حتى منعه، نحن الشر الذي ستبنى عليه أدوار البطولة الجديدة، الكومبارس الذي سيخضع للتعذيب والقتل والاعتقال، وستكون مشاهد التصوير حية هذه المرة فلا داعي لمساحيق التجميل لإظهار الكدمات، والميكروكروم للون الدم النازف، وقطرات العين أو حتى البصل للدموع التي ستذرف، لهجتنا أيضاً غير مهمة طالما أنهم اختاروا لنا اللغة العربية الفصحى لتمثلنا، وفي أفضل الأحوال ليس لمناطقنا بكاؤون أو مدافعون عنها، هي ليست ضمن سورياهم المفيدة، وأجسادنا “لبيسة” لأي دور هامشي يريدونه لنا، طالما أن البلاد وآثارها ومواردها وأراضيها ليست جزء منا، وأن زنوبيا تدمر وسيف الدولة الحمداني والمعري ليسوا جزء من تاريخنا أيضاً.