بين فن النحت على الرخام وأناشيد الثورة يلخص أبو ماهر الصالح أو “بلبل الثورة” كما يحلو لمحبيه مناداته، حياته خلال السنوات التسعة الماضية التي أمضاها في الغوطة الشرقية قبل أن ينتقل مع قوافل التهجير القسري ليحط به المقام بريف إدلب.

يحمل الرجل وجعه منذ مغادرة مكانه في غوطة دمشق التي يقول إنه ودّعها بما يجول في صدره حين قذف كلماته في وجه “الشبيحة وإعلاميي النظام” الذي طلبوا منه البقاء، فـ “البلد بلدكم” كما أخبروه، إلّا أنه أصر على الخروج وعدم العودة حتى تعود سوريا بشوارعها ومكتباتها وحدائقها وجسورها للجميع وليس لبيت الأسد، حتى يبطل هتاف بالروح بالدم نفديك يا بشار، على حد قوله.

اشتهر أبو ماهر خلال سنوات الثورة بصوته العذب الذي صدح في مختلف الساحات والمناسبات، وكان أحد المنشدين الذي جسّدوا روح الثورة وهمومها وانتصاراتها وخيباتها، يقول إنه كان يحلم منذ الصغر بتقليد المنشدين الكبار وسعى بخطوات ثابتة لتطوير مهارته في الغناء والإنشاد.

الرجل الثلاثيني الذي هُجر من الغوطة في العام 2018 ورث عذوبة الصوت عن عائلة والدته، كما يقول، وآثر استخدام النقد في كلمات أغانيه التي ألفها لمحاكاة الواقع وهموم الناس، والسخرية من الساسة والقيادات، يؤلفها لتتطابق مع ألحان لأغانٍ تراثية ويطرحها عبر صفحات التواصل الاجتماعي أو المظاهرات وفي سهرات الأصدقاء.

يواصل أبو ماهر ما بدأ به في الغوطة خلال إقامته الجديدة، ينتقد تجار الحروب في الشمال السوري وجشعهم وغلاء الأسعار كما انتقدهم أيام حصار الغوطة في أغنية “كلو من التجار” والتي يبتدئها بقوله “رح نحكي عن وضع الغوطة/ العالم فيها ما مبسوطة/ مهمومة وأيدها مربوطة/ وتدعي على بشار”، ليبدأ بكشف أسمائهم مهما كانت النتيجة وأياً كانت سلطتهم “بالمفاوضة علوش/ وبالتجارة هالمنفوش/ باعونا وعبو الكروش/ ولبكوا الأحرار”، لينتقل إلى الحديث عن أحوال الناس وغلاء الأسعار “والسكر ألفين الكيلو/ لا في قهوة/ ولا في ميلو/والمعتر الله وكيلو يبكي من التجار”.

جمع أبو ماهر بين عدة ألوان من الطرب، تأليفاً وأداء، أهمها الشعبي والعتابا والمواويل والقصائد، إضافة إلى السبعاوي (ويتألف من سبعة أشطر الثلاثة الأولى منها على قافية واحدة وتسمى المطلع، ثم تأتي ثلاثة أشطر على قافية أخرى وتسمى العرجة، ثم يأتي الشطر السابع كقفلة للموال وتعود فيه القافية إلى المطلع)، وهو الموّال الأكثر شيوعاً في سوريا والعراق لحميميته، ولا يؤديه إلا متقن للمقامات والتنقل بينها. يحمله أبو ماهر ما يشعر به من حنين وذاكرة، يقول في واحد منها “يا شام قلبي انكوى على ماحل فيك وجرى/ شبان بعمر الورد دمهم سال وجرى/الشام حرة مهما صار وجرى/وحياة من جعل بردى بأرضك تمر/ بكرى الزمان يدور ونسقي الأعادي مر/ يا رب كون مع الشام بيلي عليها مر/ يكفيها يا رب يلي صار فيها وجرى”.

يستذكر أبو ماهر الذي نشأ في بيت ملتزم حفظ خلال صغره فيه القرآن الكريم، إن أول أغانيه في الثورة كانت ربي يرحم شهدانا” والتي كتب كلماتها بنفسه وحملها على لحن “فطوم فطوم فطومة” التراثي الشهير، قبل أن تحاصر الغوطة في العام 2013 وتتجه معظم أغانيه لنقل معاناة السكان خلال تلك المرحلة، يقول إن إيصال صوت الناس عن طريق الغناء يكون بشكل أسرع، وتداول الأغنيات وحفظها أسهل وأكثر سلاسة من طرق أخرى كالأخبار والتقارير، وهو ما دفعه للحديث عن معظم ما مرّ في تلك الآونة بطريقته الساخرة والناقدة، ومن أشهر ما كتبه فيها “يا غوطتنا أبكي دم/ ما حدا فيك مهتم/قاداتنا تشارك بحصارك/وعم تحمي تجار الدم. كيلو السكر بألفين/والطفران يجيبو من وين/ وعلى الغوطة أبكي يا عين/ تجارك سقوكي السم. حطينا على الجرح ملح/ صار سعرو بيدبح دبح/ بـ 8000 صار الكيلو/وحقوا خرب الدار”

لم توقف ظروف الحصار أبو ماهر الذي قام في رمضان 2016 بعرض “برنامج حكواتي الغوطة” من ثلاثين حلقة، الذي كتب السيناريو الخاص به وعرض على قناة الآن، يقص عبر الحكواتي تجارب السكان والمعتقلين، ويغني مع العراضة الشامية التي رافقت البرنامج أناشيده، يقول إنه أراد من خلال هذا العمل محاربة ما يصدّره نظام الأسد من أعمال تلفزيونية وتلفيق على الثورة السورية، خاصة في شهر رمضان الذي تنشط فيه الدراما وصناعتها.

على دراجته النارية يتنقل أبو ماهر اليوم بين البلدات والقرى والساحات العامة للمشاركة في الفعاليات والمظاهرات الثورية، ولا يكتفي بالحديث عن الواقع السوري بل يتعدى ذلك للغناء عن السودان ومصر وحال الثورات العربية، يرثي شهداء الثورة، ويعلق على الأحداث الجارية، بين الحزن والطرافة الحاضرة، إلّا أن الغوطة تبقى جرحه النازف دائماً فـ “الغوطة غرقانة حزن تبكي على يلي راح/ يلي بترابها اندفن لا بد يكون مرتاح/ شو سويت فينا يا زمن مليت قلبي جراح/ بالغربة ما نلاقي وطن/ بالغربة ما نلاقي كفن/ لو متنا فيه نرتاح”.

لا يتقاضى أبو ماهر أجراً عن أغانيه، بل اعتمد خلال سنوات وجوده في الغوطة المحاصرة على محلّ لبيع الخضار بالجملة في “كفربطنا”، قبل أن تقصفه قوات الأسد، بينما يعتمد اليوم على مهنته في النحت على الرخام بتأمين معيشته، يقول إنه انقطع عن هذه المهنة في السنوات السبع الماضية، إلّا أنه ما يزال يحتفظ بأسرارها وجمالياتها ويشعر بالسعادة في نقل الثقافة والتراث الدمشقي إلى إدلب التي أطلق عليها “سوريا المصغرة”.

للنحت ذكريات سعيدة وأليمة عند أبي ماهر، خاصة وأنه ارتبط خلال سنوات الحصار بالحفر على “شواهد” القبور، يقول إنه حفر شاهدات موت لأقرباء وأصدقاء وأحباء قد رحلوا عن الحياة، وإنه قام بنحت ما يزيد عن 700 شاهدة قبر خلال ضربة الكيماوي على الغوطة، لا تغيب عن ذاكرته، خاصة تلك التي ضمت أسماء عائلة كاملة في شاهدة واحدة.

يلتقط أبو ماهر كل حدث أو قصة على الساحة ويحولها إلى أغنية ساخرة أو ناقدة، بينما يتحضر لمعرضه الأول في النحت والذي خصصه للحديث عن الثورة السورية وأيامها.