“هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت، قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ، نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُرَبِّي الأملْ”. محمود درويش

في خيام تضيق على نفسها، حين لا يمرّ سوى الغبار وبعض الهواء غصباً ليملأ رئتي قاطني الخيام المهجّرين من بيوتهم، يجد اليأس طريقه إلى الرجال العاجزين عن تغيير الواقع السيء، والبحث عن حلول سريعة لتأمين شيء من الاستقرار لأطفالهم ذوي الوجوه الشاحبة الخائفة والمتعبة، بينما تنشغل النساء بزراعة الأمل على أبواب خيامهن، يرتبن بيتهن الجديد بأناقة لا يفتقدنها، ويرعين أصصاً من الزرع ونباتات الزينة علّها تجبر المكان للحنوّ على حياتهن الجديدة، ونسيان مشاهد الدمار التي طالت المنازل القديمة قاتلة كل شيء، حتى حدائق المنازل وأشجار الحواكير وأزهارها ودوالي العنب.

المخيمات التي بنيت، غالباً في المناطق الحدودية مع تركيا، على مناطق جبلية أو صخرية خالية من الأشجار الخضراء، بدت للرائي ككتلة من هذه الصخور التي أخذت لونها المائل إلى “الخاكي” كما يطلق عليها أبناء المنطقة، في الوقت الذي يضيف لون العوازل الزرقاء شيئاً من بقع يُظن أنها ماء من بعيد، قبل أن تقترب لتكتشف حرارة الشمس التي أحرقت وجوه الأطفال اليابسة، وبين الخيام ما يمكن تسميته بـ “الزواريب”، أسوة بالمخيمات الفلسطينية، أقدم عهد لمعرفتنا بالنزوح في بلادنا، والزواريب أو الأزقة فسحة للمرور بين خيمتين، وظلّ لجلوس العجائز عصر كل يوم يحملون “البوكار” عكازهم يرسمون به خطوطاً متفرقة على الأرض، وملعب للأطفال أمام صراخ الأمهات بالتوقف عن إثارة الغبار، ومخبأ للمراهقين الصغار يرمون أعقاب سجائرهم، وحديقة البيت للنساء اللواتي أردن إضافة روحهن إلى المكان بتحويله لحديقة.

الخوف من المستقبل ورائحة البارود الملازمة لذاكرة أم خالد التي تقيم في واحد من مخيمات “وادي عباس” في مدينة سرمدا شمال إدلب، هو ما دفعها لإضفاء ما اعتادته ربات المنازل السوريات من لمساتهن الخاصة على الأمكنة التي يقمن فيها، “أردنا كسر النمط الجامد في تلك المنطقة القاحلة” تقول وهي تروي لنا عن تجربتها وبعض نساء المخيم في زراعة نباتات الزينة إنها أرادت “تحويل الخيمة إلى مكان جميل، وتحدّي الموت الذي طرق معظم الأبواب بسلب ضحكة من زوارها كلّما دخلوا إلى المكان”.

ترى أم خالد أن الاهتمام بخيمتها المتواضعة كان لزاماً عليها وهي تعيد ترتيبها ليشبه ما تركته من أحواض الزهور التي فارقتها مع منزلها بسهل الغاب في ريف حماه الغربي تقول إن بيتها هناك كان متواضعاً إلّا أن شغفها بالزهور دفعها لزراعة حوض كبير ضم أنواعاً مختلفة منها مثل الحبق أو الريحان الذي يمتاز برائحته القوية التي تفوح كلما هبت نسمة من الهواء أو كلما حركها شخص ما بكفه، أيضا نبتة العطرية و الشكرية و إكليل الجبل و الخبيزة و الكثير من الأزهار و نباتات الزينة التي كانت قد أحتفظت ببذورها بغية زراعتها في العام الذي يليه، هذه الزهور التي ذكرتها كلها بالإضافة إلى الزنبق والنرجس قامت بزراعتها في حوض خاص أمام خيمتها الجديدة، “عندها فقط شعرت بالراحة و الاستقرار” تصف ما شعرت به وهي تشير إلى حديقتها الصغيرة أمام الخيمة.

لم يكن الأمر شاقاً ولم يتطلب تكلفة كبيرة، أكملت أم خالد إن أهم ما يجب توفيره هو الروح الجميلة المحبة للنبات والطبيعة، فالنبات يشعر بنا وبمحبتنا من خلال اهتمامنا وعنايتنا به.

في مخيم آخر من مخيمات “دير حسان” تجتمع جارات “نور أم مصطفى” كل يوم “عصراً” إذ يميل الجو إلى الاعتدال أمام الخيمة، حيث تم تجهيز مكان مريح محاط بأصص الزهور الموزعة على شكل حد فاصل بين خيمتها والخيمة المجاورة، يليها عازل بلاستيكي يحجب العائلتين عن بعضهما حفاظاً على الراحة.

تشكو المخيمات من قلة الاهتمام بوجود نباتات أو أشجار، إن لم نقل حدائق خاصة، وتسعى بعض النساء ممن سمحت لهن الظروف المادية والنفسية بتحقيق ما يسعين إليه من راحة لاجتراح حلول صغيرة عبر هذه الأحواض، وزراعة بعض الزهور الموسمية، خاصة مع تنامي الشعور بأن هذه الخيمة ستكون مكان إقامتهن لوقت طويل، وتأملن أن تساعدهن المنظمات الإنسانية بمشروعهن الصغير، وزراعة بعض الأشجار أو تأسيس حدائق في المخيمات تتوفر فيها الشروط المناسبة للعب الأطفال، وتكون متنفساً للرجال والنساء في المكان.

ويرى المرشد النفسي “عبد الهادي الحمدو” أن الوافدين إلى المخيمات، خاصة أولئك الذين مضى على وجودهم سنوات، وبفعل الضغط والتوتر والازدحام الذي يعيشون فيه، تولّدت لديهم ردة فعل للتخلص من هذه الضغوط بأساليب جديدة كان أكثر ما يلفت الانتباه منها زراعة الورد في الخيام، وهو ما يسمى علمياً بـ “العلاج النفسي الطبيعي” الذي شرحه بـ “حالة دفاعية يقوم بها المخ للدفاع عن وجود الجسم في مواجهة حالة طارئة”.

لجأ الناس إلى زراعة الورد بشكل عفوي لأن النفس البشرية تحب الطبيعة وترتاح لرؤية اللون الأخضر الذي تتخلله أو تعلوه ألوان الزهور المختلفة، وأثبتت الدراسات أن رؤية الأزهار لها مفعول كبير في التخفيف من الشعور بالحزن والتخفيف من الغضب. كما أثبتت دراسة أخرى أن رؤية الأزهار المتفتحة تساعد في قدرة الإنسان على تحمل الألم لذلك ينصح “الحمدو” بالذهاب إلى الحدائق أو الأراضي الزراعية حيث الأشجار والهواء النقي في حال تعرض أي فرد لضغوط نفسية معينة، أما أم خالد فتنصح بزراعة الحبق على أبواب الخيام.