“في الطريق إلى الشمال السوري آلاف العائلات الوافدة المتوزعة تحت الأشجار، وخيام مهترئة تبدو لآخرين هُجّروا منذ زمن في معارك سابقة، أطفال ونساء تبدو على وجوههم علائم التعب، ناهيك عن القذائف والخوف من الاستهداف الذي يرافق الطرق الرئيسية للهاربين من جحيم الموت في قراهم”، يقول إبراهيم واصفاً رحلته بعد القرار الذي اتخذه بمغادرة قريته في ريف إدلب الجنوبي والنجاة بعائلته إلى مكان أكثر أمناً، “المشاهد المؤلمة التي رافقتنا أشعرتني بالاختناق، كدت أموت قهراً في كل لحظة وأنا أراقب المشهد الذي سيكون مصيري، خاصة مع ما توارد من أخبار عن أسعار باهظة لإيجارات المنازل وظلال الأشجار”.

حطّ بي المقام في قرية حج جمعة، وهي قرية صغيرة في ريف إدلب الغربي، تتبع لناحية بيرة أرمناز في منطقة حارم الحدودية، لأجد أن كل مخاوفي بدأت بالتلاشي، يقول إبراهيم إن أهالي القرية استقبلوه بحفاوة وتكريم، وأبدوا تعاطفهم مع ما يشعر به وكأنهم رافقوه خلال رحلة نزوحه الخطرة، ليجد نفسه رفقة عشرات العائلات التي ضمتهم بيوت القرية الصغيرة، إضافة لقطعة أرض أنشئت عليها عدة خيام لاستقبال الوافدين الجدد، ودون أي بدل للإيجار. للحظة شعرت بأن كل شيء قد تغير ورأيت أني ما زلت في منزلي وبين أهلي.

لا يتعدى عدد منازل القرية مئة وخمسة وعشرين منزلاً، قامت باستقبال ما يزيد عن مئة عائلة وافدة، بحسب جمعة اليونس رئيس المجلس المحلي فيها، والذي قال “إن أهالي القرية استقبلوا وعلى مدار السنتين الأخيرتين الوافدين في بيوتهم للتخفيف عنهم، ودون أي إيجار”، فالوافد “خرج من منزله لينجو بأطفاله تاركاً خلفه رزقه ومتاع أطفاله، ولا توجد فرص للعمل، فمن أين سيدفع إيجار منزله؟”.

لم تكن مبادرة الأهالي بقرار من المجلس المحلي، يقول رئيسه الذي وصفها بـ “مبادرة عفوية” من سكان القرية الذين شعروا بحال إخوتهم الوافدين إلى القرية، خاصة وأن معظم السكان ينتمون لعائلة واحدة تقريباً، وهو ما سهّل عليهم استضافة القادمين الجدد.

بداية تم تسليم الوافدين منازل القرية الفارغة والتي قدرها اليونس بخمسة وعشرين منزلاً استقطبت ما يقارب خمسين عائلة بحسب حجمها، وعند امتلاء معظم بيوت القرية قام أحد أبنائها بتقديم قطعة أرض وإنشاء مخيم للوافدين عليها، ساعده بذلك المجلس المحلي باحتياجات بسيطة، ومع موجة النزوح الجديدة واكتظاظ القرى والبلدات وحاجة الناس للمأوى الإسعافي قدّم شخص آخر من أبناء القرية قطعة أرض ثانية أنشئ عليها مخيم جديد لحوالي 25 عائلة وافدة والعدد قابل للزيادة، يضيف اليونس إن المجلس المحلي يقدم مياه الشرب وبعض المساعدات للوافدين بشكل مجاني، وحسب إمكانياته وبمساعدة أبناء القرية.

ليست قرية حج جمعة المكان الوحيد الذي حاول الاستجابة لحال الوافدين ومساعدتهم، إذ تشهد قرى عديدة في ريف حلب الغربي والجنوبي حالات مشابهة تم الإضاءة عليها ودعوة الوافدين للسكن فيها، كبلدة العيس وحيان وحريتان وعندان وخان العسل والقائمة تطول، إضافة لعدد ليس بقليل من سكان الشمال السوري الذين رفضوا تأجير بيوتهم وقدموها للوافدين، في لفتة إنسانية رأى أصحابها أنها “حق وواجب عليهم”، فيما اعتبرها الوافدون “إنسانية تستحق الشكر في ظل الظروف الحالية”.